الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولو أوصى بغلة عبده أو بغلة داره يجوز أيضا لأنه بدل المنفعة فأخذ حكم المنفعة في جواز الوصية به ، كيف وأنه عين حقيقة لأنه دراهم أو دنانير فكان بالجواز أولى ، ولو لم يكن له مال غيره كان له ثلث غلة تلك السنة لأنه عين مال يحتمل القسمة بالأجزاء ، فلو أراد الموصى له قسمة الدار بينه وبين الورثة ليكون هو الذي يستغل ثلثها لم يكن له ذلك إلا في رواية عن أبي يوسف فإنه يقول : الموصى له شريك الوارث وللشريك ذلك ، فكذلك للموصى له ، إلا أن نقول : المطالبة بالقسمة تبتنى على ثبوت الحق للموصى له فيما يلاقيه القسمة إذ هو المطالب ، ولا حق له في عين الدار ، وإنما حقه في الغلة فلا يملك المطالبة بقسمة الدار ، ولو أوصى له بخدمة عبده ولآخر برقبته وهو يخرج من الثلث فالرقبة لصاحب الرقبة والخدمة عليها لصاحب الخدمة ، لأنه أوجب لكل واحد منهما شيئا معلوما عطفا منه لأحدهما على الآخر فتعتبر هذه الحالة بحالة الانفراد .

[ ص: 489 ] ثم لما صحت الوصية لصاحب الخدمة ، فلو لم يوص في الرقبة ميراثا للورثة مع كون الخدمة للموصى له ، فكذا إذا أوصى بالرقبة لإنسان آخر ، إذ الوصية أخت الميراث من حيث إن الملك يثبت فيهما بعد الموت . ولها نظائر ، وهو ما إذا أوصى بأمة لرجل وبما في بطنها لآخر وهي تخرج من الثلث ، أو أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصه ، أو قال هذه القوصرة لفلان وما فيها من التمر لفلان كان كما أوصى ، ولا شيء لصاحب الظرف في المظروف في هذه المسائل كلها ، أما إذا فصل أحد الإيجابين عن الآخر فيها فكذلك الجواب عند أبي يوسف .

وعلى قول محمد الأمة للموصى له بها والولد بينهما نصفان ، وكذلك في أخواتها . لأبي يوسف أن بإيجابه في الكلام الثاني تبين أن مراده من الكلام الأول إيجاب الأمة للموصى له بها دون الولد ، وهذا البيان منه صحيح وإن كان مفصولا لأن الوصية لا تلزم شيئا في حال حياة الموصي فكان البيان المفصول فيه والموصول سواء [ ص: 490 ] كما في وصية الرقبة والخدمة . ولمحمد أن اسم الخاتم يتناول الحلقة والفص . وكذلك اسم الجارية يتناولها وما في بطنها . واسم القوصرة كذلك ، ومن أصلنا أن العام الذي موجبه ثبوت الحكم على سبيل الإحاطة بمنزلة الخاص فقد اجتمع في الفص وصيتان وكل منهما وصية بإيجاب على حدة فيجعل الفص بينهما نصفين ، ولا يكون إيجاب الوصية فيه للثاني رجوعا عن الأول ، كما إذا أوصى للثاني بالخاتم ، بخلاف الخدمة مع الرقبة لأن اسم الرقبة لا يتناول الخدمة وإنما يستخدمه الموصى له بحكم أن المنفعة حصلت على ملكه ، فإذا أوجب الخدمة لغيره لا يبقى للموصى له فيه حق ، بخلاف ما إذا كان الكلام موصولا لأن ذلك دليل التخصيص والاستثناء ، فتبين أنه أوجب لصاحب الخاتم الحلقة خاصة دون الفص .

التالي السابق


( قوله ثم لما صحت الوصية لصاحب الخدمة إلخ ) قال صاحب العناية : وقوله لما صحت الوصية لصاحب الخدمة كالبيان والتفسير لما قبله من حالة الانفراد : يعني لو كانت الوصية بالخدمة منفردة كانت الرقبة ميراثا للورثة والخدمة للموصى له من غير اشتراك فكذا إذا أوصى بالرقبة لإنسان آخر تكون الرقبة له والخدمة للموصى له بها ، إذ الوصية أخت الميراث من حيث إن الملك فيهما يثبت بعد الموت ا هـ . أقول : إن قوله السابق كالبيان والتفسير لما قبله من حالة الانفراد ليس بسديد . والحق أن يقال : كالبيان والتفسير لما قبله من اعتبار هذه الحالة بحالة الانفراد ، لأن قول المصنف ثم لما صحت الوصية لصاحب الخدمة إلخ ، وكذا ما ذكره الشارح المزبور بقوله يعني لو كانت الوصية بالخدمة إلخ إنما يفيد أن بيان اعتبار هذه الحالة بحالة الانفراد لا بيان حالة [ ص: 490 ] الانفراد وحدها كما لا يخفى على من له أدنى مسكة .

( قوله ولمحمد أن اسم الخاتم يتناول الحلقة والفص ، وكذا اسم الجارية يتناولها وما في بطنها ) قلت : ليس المراد بتناول اسم الخاتم للفص وبتناول اسم الجارية لما في بطنها تناولهما لهما لفظا وأصالة ، وإلا يلزم أن يخالف هذا ما مر في مسألة صحة الوصية بجارية إلا حملها من أن اسم الجارية لا يتناول الحمل لفظا ولكنه يستحق بالإطلاق تبعا ، فإذا أفرد الأم بالوصية صح إفرادها ، ويلزم أن يخالف أيضا ما مر في كتاب الإقرار من أن الفص لا يدخل في الخاتم لفظا بل تبعا ، ولهذا لو أقر بخاتم لرجل واستثنى فصه لنفسه لم يصح الاستثناء ويكون الحلقة والفص جميعا للمقر له لأن الاستثناء تصرف في الملفوظ . بل إنما المراد هاهنا بتناول اسم الخاتم للفص واسم الجارية لما في بطنها تناولهما لهما تبعا عند الإطلاق فترتفع المخالفة كما توهمها البعض ( قوله ومن أصلنا أن العام الذي موجبه ثبوت الحكم على سبيل الإحاطة بمنزلة الخاص ) أقول : لا مجال للعموم في الألفاظ المذكورة في هاتيك المسائل ، لأن الحلقة والفص بالنظر إلى اسم الخاتم ، وكذا الجارية وما في بطنها بالنظر إلى اسم الجارية ، وكذا القوصرة وما فيها بالنظر إلى اسم القوصرة بمنزلة الأجزاء لمدلولات هذه الأسماء لا جزئيات معانيها ، إذ لا يصدق معنى الخاتم على الفص وحده ، ولا معنى الجارية على ما في بطنها وحده ، ولا معنى القوصرة على ما في القوصرة من مثل الثمر وحده ، على أن الكلام في وصية خاتم بعينه وجارية بعينها وقوصرة بعينها وكل من هؤلاء جزئي خاص فكيف يتصور فيها العموم ، فقوله ومن أصلنا أن العام بمنزلة الخاص بمنزلة اللغو هاهنا كما لا يخفى .

( قوله بخلاف ما إذا كان الكلام موصولا ) لأن ذلك دليل التخصيص أو الاستثناء فتبين أنه أوجب لصاحب الخاتم الحلقة خاصة دون الفص . أقول : فيه شيء ، وهو أنه [ ص: 491 ] قد تقرر في كتاب الإقرار أن استثناء الفص من الخاتم غير صحيح لكون الاستثناء تصرفا لفظيا غير عامل فيما يتناوله الاسم لفظا كالفص في الخاتم والنخلة في البستان والبناء في الدار ، فما معنى قوله أو الاستثناء في قوله لأن ذلك دليل التخصيص أو الاستثناء




الخدمات العلمية