الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ولا تعقل العاقلة أقل من نصف عشر الدية وتتحمل [ ص: 406 ] نصف العشر فصاعدا ) والأصل فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام { لا تعقل العواقل عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة } وأرش الموضحة نصف عشر بدل النفس ، ولأن التحمل للتحرز عن الإجحاف ولا إجحاف في القليل وإنما هو في الكثير ، والتقدير الفاصل عرف بالسمع .

قال ( وما نقص من ذلك يكون في مال الجاني ) والقياس فيه التسوية بين القليل والكثير فيجب الكل على العاقلة كما ذهب إليه الشافعي ، أو التسوية في أن لا يجب على العاقلة شيء ، إلا أنا تركناه بما روينا ، وبما روي { أنه عليه الصلاة والسلام أوجب أرش الجنين على العاقلة } وهو نصف عشر بدل الرجل على ما مر في الديات ، فما دونه يسلك به مسلك الأموال لأنه يجب بالتحكيم كما يجب ضمان المال بالتقويم فلهذا كان في مال الجاني أخذا بالقياس .

التالي السابق


( قوله قال ولا تعقل العاقلة أقل من نصف عشر الدية وتتحمل [ ص: 406 ] نصف عشر الدية فصاعدا ) قال في النهاية : والدليل على أنها لا تتحمل ما دون نصف العشر أن القصاص لا يجب في عمده ولا يتقدر أرشه فصار كضمان الأموال ، كذا في شرح الأقطع انتهى . واقتفى أثره صاحب العناية .

أقول : يرد عليه أن لكل مفصل من أصبع فيها ثلاثة مفاصل ثلث عشر الدية كما مر في كتاب الديات حيث قال : وفي كل أصبع من أصابع اليدين أو الرجلين عشر الدية . ثم قال : وفي كل أصبع فيها ثلاثة مفاصل ، ففي أحدها ثلث دية الأصبع فكان لكل مفصل من أصبع فيها ثلاثة مفاصل أرش مقدر هو أقل من نصف عشر الدية ، ويجب القصاص في عمده لا محالة لإمكان رعاية المماثلة التي هي مبنى القصاص كما تقرر في باب القصاص فيما دون النفس من كتاب الجنايات ، فانتقض به كل واحد من قوله إن القصاص لا يجب في عمده ومن قوله ولا يتقدر أرشه كما ترى ، نعم قد تدارك صاحب الغاية إصلاح المقدمة الثانية : أعني قوله ولا يتقدر أرشه حيث قال : ويدل عليه من جهة النظر أن ما دون الموضحة ليس له أرش مقدر في نفسه فأشبه ضمان الأموال . ثم قال : فإن قيل : أرش الأنملة مقدر وهو ثلث دية الأصبع فينبغي أن تتحمله العاقلة ، قيل له ليس أرشها مقدرا بنفسها بل هو مقدر بغيرها وهو الأصبع ، ونحن إنما شبهنا ما دون الموضحة بالأموال من حيث إنه لم يكن له أرش مقدر بنفسه انتهى . لكن بقيت المقدمة الأولى وهي قوله إن القصاص لا يجب في عمده مجروحة تدبر .

( قوله والأصل فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تعقل العواقل عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة } ) [ ص: 407 ] قال أبو عبيد : اختلفوا في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام { لا تعقل العواقل عمدا ولا عبدا } فقال محمد بن الحسن : إنما معناه أن يقتل العبد حرا فليس على عاقلة مولاه شيء من جناية عبده ، إنما جنايته في رقبته أن يدفعه إلى المجني عليه أو يفديه . ثم قال : وهذا قول أبي حنيفة . وقال ابن أبي ليلى : إنما معناه أن يكون العبد مجنيا عليه يقتله حر أو يجرحه فليس على عاقلة الجاني شيء إنما ثمنه في ماله خاصة . قال أبو عبيد : فذاكرت الأصمعي في ذلك فإذا هو يرى القول فيه قول ابن أبي ليلى على كلام العرب ، ولا يرى قول أبي حنيفة جائزا ، يذهب إلى أنه لو كان المعنى على ما قال لكان الكلام لا تعقل العاقلة عن عبد ولم يكن ولا تعقل عبدا . ومعنى قول الأصمعي أن في كلام العرب يقال عقلت القتيل إذا أعطيت ديته وعقلت عن فلان إذا لزمته دية فأعطيتها عنه . قال الأصمعي : كلمت أبا يوسف القاضي في ذلك بحضرة الرشيد فلم يفرق بين عقلته وعقلت عنه حتى فهمته . وأجيب بأن عقلته يستعمل في معنى عقلت عنه ، وسياق الحديث وهو قوله { لا تعقل العاقلة عمدا } وسياقه وهو قوله صلى الله عليه وسلم { ولا صلحا ولا اعترافا } يدلان على ذلك لأن معناه عن عمد وعن صلح وعن اعتراف ، كذا في العناية . أقول : الجواب محل الكلام ، إذ للخصم أن يمنع كون معناه ما ذكر ويقول : بل معناه لا تعقل العاقلة من قتل عمدا بصيغة المجهول ، ومن صولح عن دمه ومن اعترف بقتله على صيغة المجهول أيضا فيئول المعنى في الكل إلى معنى عقلت القتيل لا إلى معنى عقلت عن فلان فلا يتم الجواب إلزاما .




الخدمات العلمية