الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال ( وإذا حلفوا  قضى على أهل المحلة بالدية ولا يستحلف الولي ) وقال الشافعي لا تجب الدية لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن سهل رضي الله عنه { تبرئكم اليهود بأيمانها } ولأن اليمين عهد في الشرع مبرئا للمدعى عليه لا ملزما كما في سائر الدعاوى . ولنا أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الدية والقسامة في حديث ابن سهل وفي حديث زياد بن أبي مريم ، وكذا جمع عمر رضي الله عنه بينهما على وادعة . وقوله عليه الصلاة والسلام { تبرئكم اليهود } محمول على الإبراء عن القصاص والحبس ، [ ص: 377 ] وكذا اليمين مبرئة عما وجب له اليمين والقسامة ما شرعت لتجب الدية إذا نكلوا ، بل شرعت ليظهر القصاص بتحرزهم عن اليمين الكاذبة فيقروا بالقتل ، فإذا حلفوا حصلت البراءة عن القصاص .

ثم الدية تجب بالقتل الموجود منهم ظاهرا لوجود القتيل بين أظهرهم لا بنكولهم ، أو وجبت بتقصيرهم في المحافظة كما في القتل الخطإ ( ومن أبى منهم اليمين حبس حتى يحلف ) لأن اليمين فيه مستحقة لذاتها تعظيما لأمر الدم ولهذا يجمع بينه وبين الدية ، [ ص: 378 ] بخلاف النكول في الأموال لأن اليمين بدل عن أصل حقه ولهذا يسقط ببذل المدعي وفيما نحن فيه لا يسقط ببذل الدية ، هذا الذي ذكرنا إذا ادعى الولي القتل على جميع أهل المحلة ، وكذا إذا ادعى على البعض لا بأعيانهم والدعوى في العمد أو الخطإ لأنهم لا يتميزون عن الباقي ، ولو ادعى على البعض بأعيانهم أنه قتل وليه عمدا أو خطأ فكذلك الجواب ، يدل عليه إطلاق الجواب في الكتاب ، وهكذا الجواب في المبسوط . وعن أبي يوسف في غير رواية الأصل أن في القياس تسقط القسامة والدية عن الباقين من أهل المحلة ، ويقال للولي ألك بينة ؟ فإن قال لا يستحلف المدعى عليه يمينا واحدة .

ووجهه أن القياس يأباه لاحتمال وجود القتل من غيرهم ، وإنما عرف بالنص فيما إذا كان في مكان ينسب إلى المدعى عليهم والمدعي يدعي القتل عليهم ، وفيما وراءه بقي على أصل القياس وصار كما إذا ادعى القتل على واحد من غيرهم . [ ص: 379 ] وفي الاستحسان تجب القسامة والدية على أهل المحلة لأنه لا فصل في إطلاق النصوص بين دعوى ودعوى فنوجبه بالنص لا بالقياس ، بخلاف ما إذا ادعى على واحد من غيرهم لأنه ليس فيه نص ، فلو أوجبناهما لأوجبناهما بالقياس وهو ممتنع ، ثم حكم ذلك أن يثبت ما ادعاه إذا كان له بينة ، وإن لم تكن استحلفه يمينا واحدة لأنه ليس بقسامة لانعدام النص وامتناع القياس .

ثم إن حلف برئ وإن نكل والدعوى في المال ثبت به ، وإن كان في القصاص فهو على اختلاف مضى في كتاب الدعوى . قال ( وإن لم يكمل أهل المحلة كررت الأيمان عليهم حتى تتم خمسين ) لما روي أن عمر رضي الله عنه لما قضى في القسامة وافى إليه تسعة وأربعون رجلا فكرر اليمين على رجل منهم حتى تمت خمسين ثم قضى بالدية .

وعن شريح والنخعي رحمهما الله مثل ذلك ، ولأن الخمسين واجب بالسنة فيجب إتمامها ما أمكن ، ولا يطلب فيه الوقوف على الفائدة لثبوتها بالسنة ، ثم فيه استعظام أمر الدم ، فإن كان العدد كاملا فأراد الولي أن يكرر على أحدهم فليس له ذلك ، لأن المصير إلى التكرار ضرورة الإكمال . قال ( ولا قسامة على صبي ولا مجنون ) لأنهما ليسا من أهل القول الصحيح واليمين قول صحيح . قال ( ولا امرأة ولا عبد ) لأنهما ليسا من أهل النصرة واليمين على أهلها .

قال ( وإن وجد ميتا لا أثر به فلا قسامة ولا دية ) لأنه ليس بقتيل ، إذ القتيل في العرف من فاتت حياته بسبب يباشره حي وهذا ميت حتف أنفه ، والغرامة تتبع فعل العبد والقسامة تتبع احتمال القتل ثم يجب عليهم القسم فلا بد من أن يكون به أثر يستدل به على كونه قتيلا ، وذلك بأن يكون به جراحة أو أثر ضرب أو خنق ، وكذا إذا كان خرج الدم من عينه أو أذنه لأنه لا يخرج منها إلا بفعل من جهة الحي عادة ، بخلاف ما إذا خرج من فيه أو دبره أو ذكره لأن الدم يخرج من هذه المخارج عادة بغير فعل أحد ، وقد ذكرناه في الشهيد .

التالي السابق



الخدمات العلمية