الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب البول عند سباطة قوم

224 89 - حدثنا محمد بن عرعرة ، قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل ، قال : كان أبو موسى الأشعري يشدد في البول ، ويقول : إن بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه ، فقال حذيفة : ليته أمسك ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما .

التالي السابق


مطابقته للترجمة ظاهرة ، قيل : إتيان حديث واحد من شخص واحد في ثلاثة أبواب ليس له زيادة فائدة ، قلت : فائدته تنادي بأعلى صوته ، ولكن قاصر الفهم بمعزل من هذه الفائدة .

( بيان رجاله ) : وهم ستة كلهم قد تقدموا ، وتقدم ذكر أبي [ ص: 138 ] موسى الأشعري في باب أي الإسلام أفضل ؟ واسمه عبد الله بن قيس ، وأبو وائل شقيق .

( بيان لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، ورواته ما بين شامي ومصري وكوفي .

وتعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره قد تقدم في باب البول قائما .

( بيان لغته وإعرابه ) : قوله : " يشدد " ، جملة في محل النصب على أنه خبر كان ، ومعناه : كان يحتاط عظيما في الاحتراز عن رشاشاته حتى كان يبول في القارورة خوفا أن يصيبه من رشاشاته شيء ، وأخرج ابن المنذر من طريق عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه أنه سمع أبا موسى ، ورأى رجلا يبول قائما قال : ويحك ، أفلا قاعدا ، ثم ذكر قصة بني إسرائيل ، وبنو إسرائيل بنو يعقوب عليه الصلاة والسلام وإسرائيل لقبه ، قوله : " كان إذا أصاب ثوب أحدهم " الضمير في " كان " ضمير الشأن ، والجملة الشرطية خبره ، وبهذا لا يرد سؤال الكرماني بقوله : فإن قلت : " بنو " جمع فلم أفرد ضمير كان الراجع إليه وبنو إسرائيل أصله بنون لإسرائيل ، فلما أضيف إلى إسرائيل سقطت نون الجمع .

فإن قلت : ما وجه تلقيب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام بإسرائيل ؟ قلت : كان يعقوب وعيصو أخوين ، كانا في بطن أمهما معا ، فلما جاء وقت وضعهما اقتتلا في بطنها لأجل الخروج أولا ، فقال عيصو : والله لئن خرجت قبلي لأعترض في بطن أمي لأقتلها ، فتأخر يعقوب ، وخرج عيصو قبله ، فسمي عيصو لأنه عصى ، وسمي يعقوب لأنه خرج آخذا بعقب عيصو ، وكان يعقوب أكبرهما في البطن ، وكان أحبهما إلى أمه ، وكان عيصو أحبهما إلى أبيه ، وكان صاحب صيد ، فلما كبر أبوهما إسحاق وعمي قال لعيصو : يا بني ، أطعمني لحم صيد أدع لك بدعاء كان أبي دعا لي به ، وكان أشعر ، وكان يعقوب أجرد ، فخرج عيصو إلى الصيد ، وقالت أمه ليعقوب : خذ شاة واشوها والبس جلدها وقدمها إلى أبيك ، وقل له : أنا ابنك عيصو ، ففعل ، فمسه إسحاق فقال : المس مس عيصو والريح ريح يعقوب فقالت أمه : ابنك عيصو فادع له ، فأكل منها ، ودعا له بأن الله يجعل في ذريته الأنبياء والملوك ، ثم جاء عيصو بالصيد فقال إسحاق : يا بني قد سبقك أخوك ، فغضب وقال : والله لأقتلنه ، فقال إسحاق : يا بني ، قد بقيت دعوة ، فدعا له بأن تكون ذريته عدد التراب ، ولا يملكهم أحد ، وقالت أم يعقوب : الحق بخالك فكن عنده خشية أن يقتله عيصو ، فانطلق يعقوب إلى خاله لابان وكان ببابل ، وقيل : بحران ، فكان يسير بالليل ويكمن بالنهار ، فلذلك سمي إسرائيل ، فأخذ من السرى والليل : قاله السدي ، وقال غيره : معناه عبد الله ; لأن إيل اسم من أسماء الله تعالى بالسريانية كما يقال : جبرائيل ، وميكائيل .

قوله : " إذا أصاب " ، أي البول ، وثوب أحدهم بالنصب مفعوله ، ووقع في رواية مسلم : " إذا أصاب جلد أحدهم " ، وقال القرطبي : مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها ، وحمله بعضهم على ظاهره ، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه ، ويؤيده رواية أبي داود حيث قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن حسنة قال : انطلقت أنا وعمرو بن العاصي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخرج ، ومعه دورقة ، ثم استتر بها ، ثم بال فقلنا : انظروا إليه يبول كما تبول المرأة ، فسمع ذلك ، فقال : ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل ، كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم ، فنهاهم ، فعذب في قبره ، قال منصور عن أبي وائل ، عن أبي موسى : جلد أحدهم ، وقال عاصم : عن أبي وائل ، عن أبي موسى جسد أحدهم ، قوله : " انظروا إليه يبول كما تبول المرأة " وهذا القول منهما وقع من غير قصد أو وقع بطريق التعجب أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام بقوله : " ألم تعلموا " ، إلخ ، ولم يقولوا هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف ; لأن الصحابة برآء من هذا الكلام ، وأراد بصاحب بني إسرائيل موسى عليه الصلاة والسلام ، فإن قلت : كيف يترتب قوله : " فعذب " ، على قوله : " فنهاهم " ، قلت : فيه حذف تقديره : فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا فعذب الله تعالى ، والفاء في : فعذب ، فاء السببية نحو قوله تعالى : فوكزه موسى فقضى عليه قوله : " قرضه " ، بالقاف أي قطعه ، وفي رواية الأصيلي : " قرضه بالمقراض " ، وهذه الرواية ترد قول من يقول : المراد بالقرض الغسل بالماء ، قوله : " ليته أمسك " ، قول حذيفة أي : ليت أبا موسى أمسك نفسه عن هذا التشديد أو لسانه عن هذا القول ، أو كليهما عن كليهما ، ومقصوده أن هذا التشديد خلاف السنة ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام بال قائما ، ولا شك في كون القائم معرضا للرشاش ، ولم يلتفت عليه الصلاة والسلام إلى هذا الاحتمال ، ولم يتكلف البول في القارورة ، وقال ابن بطال : وهو حجة لمن رخص في يسير البول ; لأن المعهود ممن بال قائما أن [ ص: 139 ] يتطاير إليه مثل رءوس الإبر ، وفيه يسر وسماحة على هذه الأمة حيث لم يوجب القرض كما أوجب على بني إسرائيل ، واختلفوا في مقدار رءوس الإبر من البول ، فقال مالك : يغسلها استحبابا وتنزها ، والشافعي : يغسلها وجوبا ، وأبو حنيفة سهل فيها كما في يسير كل النجاسات ، وقال الثوري : كانوا يرخصون في القليل من البول .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث