الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  258 14 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، قال : أخبرنا أفلح ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد تختلف أيدينا فيه .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث جواز إدخال الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن عليها قذر يدل عليه من قول عائشة : تختلف أيدينا فيه ، واختلاف الأيدي في الإناء لا يكون إلا بعد الإدخال ، فدل ذلك على أنه لا يفسد الماء ، فإن قلت : الترجمة مقيدة ، وهذا الحديث مطلق ، قلت : القيد المذكور في الترجمة مراعى في الحديث للقرينة الدالة على ذلك ; لأن شأن النبي صلى الله عليه وسلم وشأن عائشة رضي الله تعالى عنها أجل من أن يدخلا أيديهما في إناء الماء ، وعلى أيديهما ما يفسد الماء ، وحديث هشام الذي يأتي عن قريب أقوى القرائن على ذلك ، وهذا هو التحقيق في هذا الموضع لا ما ذكره الكرماني إن ذلك ندب ، وهو جائز ، ثم اعلم أن البخاري أخرج في هذا الباب أربعة أحاديث فمطابقة الحديث الأول للترجمة قد ذكرناها ، والثاني مفسر للأول على ما نذكره ، والثالث والرابع وإن لم يذكر فيهما غسل اليد ولكنهما محمولان على معنى الحديث الثاني ، وهذا المقدار كاف للتطابق ولا معنى لتطويل الكلام بدون فائدة نافعة كما ذكره ابن بطال وابن المنير وغيرهما ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : عبد الله بن مسلمة بفتح الميمين القعنبي ، وقد تقدم ذكره غير مرة ، وفي رواية مسلم : حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب . الثاني : أفلح بن حميد بضم الحاء الأنصاري المدني ، وقد وقع في نسختنا الصحيحة هكذا أفلح بن حميد بذكر أبيه حميد ، كما وقع في رواية مسلم ، وفي أكثر النسخ أفلح غير منسوب ، وهو ابن حميد بلا خلاف ، وليس في البخاري غيره ، وأخرج له أبو داود والنسائي أيضا ، وفي مسلم أفلح بن سعيد وأفلح عن مولاه ، وفي النسائي أفلح الهمداني والأصح أبو أفلح بن سعيد السابق وليس في هذه الكتب سواهم . الثالث : القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم . الرابع : عائشة الصديقة .

                                                                                                                                                                                  ( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفي رواية كريمة في موضع واحد ; لأن في روايتهما : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، أخبرنا أفلح . وفيه : العنعنة في موضعين . وفيه : أن رواته كلهم مدنيون ، وفي رواية أبي عوانة وابن حبان من [ ص: 209 ] طريق ابن وهب عن أفلح أنه سمع القاسم يقول : سمعت عائشة فذكره .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الطهارة عن عبد الله بن مسلمة ، نحوه .

                                                                                                                                                                                  ( بيان إعرابه ومعناه ) . قوله : " والنبي " بالرفع عطف على الضمير المرفوع في كنت ، وأبرز الضمير أيضا ليصح العطف عليه ، ويجوز فيه النصب على أنه مفعول معه فتكون الواو للمصاحبة . قوله : " تختلف أيدينا فيه " ، جملة في محل النصب ; لأنها حال من قوله : من إناء واحد ، والجملة بعد المعرفة حال وبعد النكرة صفة ، والإناء هنا موصوف ، ومعنى اختلاف الأيدي في الإناء يعني من الإدخال فيه والإخراج منه ، وفي رواية مسلم في آخره : من الجنابة ، أي : لأجل الجنابة ، وفي رواية أبي عوانة وابن حبان بعد قوله : تختلف أيدينا فيه وتلتقي ، وفي رواية الإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان عن أفلح تختلف فيه أيدينا حتى تلتقي ، وفي رواية البيهقي من طريقه : تختلف أيدينا فيبادرني حتى أقول : دع لي ، وفي رواية النسائي فيه يعني : وتلتقي . وفيه إشعار بأن قوله : تلتقي مدرج ، وفي رواية أخرى لمسلم من طريق معاذة عن عائشة : فيبادرني حتى أقول : دع لي ، وفي رواية النسائي : وأبادره حتى يقول : دعي لي .

                                                                                                                                                                                  ومما يستنبط منه جواز اغتراف الجنب من الماء الذي في الإناء ، وجواز التطهر بذلك الماء وبما يفضل منه ، وقال بعضهم : فيه دلالة على أن النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم إنما هو للتنزيه كراهية أن يستقذر لا لكونه يصير نجسا بانغماس الجنب فيه . قلت : هذا الكلام على إطلاقه غير صحيح ; لأن الجنب إذا انغمس في الماء الدائم لا يخلو إما أن يكون ذلك الماء كثيرا أو قليلا ، فإن كان كثيرا نحو الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر ، فإن الجنب إذا انغمس فيه لا يفسد الماء وإن كان قليلا لا يبلغ الغدير العظيم ، فإن الجنب إذا انغمس فيه فإنه يفسد الماء ، وهل يطهر الجنب أم لا ؟ فيه خلاف .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية