الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قلنا: فحسبنا بإقراركم بها عليكم حجة، لدعوانا أنها مشهورة تداولتها العلماء والفقهاء، فهاتوا عنهم مثلها حجة لدعواكم التي كذبتها الآثار كلها، فلا يقدرون أن يأتوا فيها بخبر ولا أثر، وقد علمتم -إن شاء الله- أنه لا تدرك سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأحكامهم وقضاياهم إلا بهذه الآثار [ ص: 302 ] والأسانيد على ما فيها من الاختلاف، وهي السبب إلى ذلك، والمنهج الذي درج عليه المسلمون، وكانت إمامهم في دينهم بعد كتاب الله، منها يقتبسون العلم، وبها يقضون، وبها يفتون وعليها يعتمدون، وبها يتزينون، يورثها الأول منهم الآخر، ويبلغها الشاهد منهم للغائب، احتجاجا واحتسابا في أدائها إلى من لم يسمعها، يسمونها السنن والآثار والفقه والعلم، ويضربون في طلبها شرق الأرض وغربها، يحلون بها حلال الله، ويحرمون بها حرامه، ويميزون بها بين الحق والباطل والسنن والبدع، ويستدلون بها على تفسير القرآن ومعانيه وأحكامه، ويعرفون بها ضلالة من ضل عن الهدى، فمن رغب عنها فإنما يرغب عن آثار السلف وهديهم، ويريد مخالفتهم ليتخذ دينه هواه، وليتأول كتاب الله برأيه خلاف ما عنى الله به. فإن كنتم من المؤمنين، وعلى منهاج أسلافهم، فاقتبسوا العلم من آثارهم، واقتبسوا الهدي من سبيلهم، [ ص: 303 ] وارضوا بهذه الآثار إماما، كما رضي القوم بها لأنفسهم إماما، فلعمري ما أنتم بأعلم بكتاب الله منهم ولا مثلهم، بل أضل وأجهل، ولا يمكن الاقتداء بهم إلا باتباع هذه الآثار على ما [تروى] فمن لم يقبلها فإنما يريد أن يتبع غير سبيل المؤمنين. قال تعالى: ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا [النساء: 115]. فإن قال قائل منهم: لا بل نقول بالمعقول. قلنا: ها هنا ضللتم عن سواء السبيل، ووقعتم في تيه لا مخرج لكم منه؛ لأن المعقول ليس بشيء واحد موصوف محدود عند جميع الناس فيقتصر عليه، ولو كان كذلك لكان راحة للناس، ولقلنا به ولم نعد، ولكن الله تعالى قال: كل حزب بما لديهم فرحون [المؤمنون: 53]، فوجدنا المعقول عند كل حزب ما هم عليه، [ ص: 304 ] والمجهول عندهم ما خالفهم، فوجدنا فرقكم -معشر الجهمية- في المعقول مختلفة، كل فرقة منكم تدعي أن المعقول عندها ما تدعوا إليه، والمجهول ما خالفها، فحين رأينا المعقول اختلف منا ومنكم ومن جميع أهل الأهواء ولم [نقف] له على حد بين في كل شيء. رأينا أرشد الوجوه وأهداها أن [ترد] المعقولات كلها إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى المعقول عند أصحابه المستفيض بين أظهرهم؛ لأن الوحي كان ينزل بين أظهرهم فكانوا أعلم بتأويله منا ومنكم، وكانوا مؤتلفين في أصول الدين، لم يتفرقوا فيه، ولم تظهر فيهم البدع والأهواء الحائدة عن الطريق. فالمعقول عندنا ما وافق هديهم، والمجهول ما خالفهم، ولا سبيل إلى معرفة هديهم وطريقهم إلا بهذه الآثار، وقد انسلختم منها وانتفيتم عنها بزعمكم فأنى تهدون؟".

وقال الإمام أحمد رحمه الله: "الحمد لله الذي جعل في [ ص: 305 ] كل زمان فترة من الرسل بقايا من [أهل] العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين".

التالي السابق


الخدمات العلمية