الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم قابلهم قوم من أهل الإثبات، والرافضة، وغلاة أهل الحديث، فزادوا في الإثبات، حتى دخلوا في التمثيل المنفي في الكتاب والسنة، وذلك تشبيه مذموم، فذم بقايا تابعي التابعين ومن بعدهم من أئمة السنة هذا التشبيه، وذموا المشبهة بهذا التفسير، فصار لفظ المشبهة مذموما في كلام هؤلاء، كما هو مذموم في كلام الجهمية، لكن بين المعنيين فرق عظيم، ولهذا كانوا يفسرون مرادهم، ويقولون: من أغرق في نفي التشبيه وذم المشبهة كان جهميا، كما ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم وأبو القاسم اللالكائي عن عبد الرحمن بن عمر [ ص: 499 ] الأصبهاني قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول -لفتى من ولد جعفر بن سليمان- مكانك، فقعد حتى تفرق الناس، ثم قال: يا بني تعرف في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف، وكل ذلك يجري مني على بال، وحتى [ ص: 500 ] لا أمرك، وما بلغني فإن الأمر لا يزال [هينا] ما لم يصر إليكم، يعني السلطان، فإذا صار إليكم جل وعظم، قال: يا أبا سعيد! وما ذاك؟ قال: بلغني أنك تتكلم في الرب تعالى وتصف وتشبه، فقال الغلام: نعم فأخذ ليتكلم في الصفة فقال: رويدك يا بني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإن عجزنا عن المخلوق، فنحن عن الخالق أعجز وأعجز. أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة، عن البناني، قال: سمعت زرا قال: قال عبد الله في [قوله]: لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) قال: رأى جبريل له ستمائة جناح. قال: نعم، فعرف الحديث، فقال عبد الرحمن: صف لي خلقا من خلق الله له ستمائة جناح فبقي الغلام ينظر إليه، فقال عبد الرحمن: [ ص: 501 ] يا بني! فإني أهون عليك المسألة، وأضع عنك خمسمائة وسبعا وتسعين، صف لي خلق ثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعا غير الموضعين [اللذين] ركبهما حتى أعلم؟ فقال يا أبا سعيد! نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق، ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز فأشهدك أني قد رجعت عن ذلك وأستغفر الله.

وذكر –أيضا- عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، قال: حدثنا سويد بن سعيد، [ ص: 502 ] قال: حدثنا علي بن عاصم، قال: تكلم داود [الجواربي] [فضل] في التشبيه، فاجتمع فقهاء واسط، منهم محمد بن يزيد، وخالد الطحان، [ ص: 503 ] وهشيم، وغيرهم، فأتوا الأمير وأخبروه بمقالته، فأجمعوا على سفك دمه، فمات في أيامه، فلم يصل عليه علماء [واسط].

وذكر عبد الرحمن، قال: حدثنا أحمد بن سنان، قال: [ ص: 504 ] سمعت شاذ بن يحيى الواسطي، يقول: كنت قاعدا عند يزيد بن هارون، فجاء رجل فقال: يا أبا خالد! ما تقول في الجهمية؟ قال: يستتابون. لأن الجهمية غلت [فتفرعت] في غلوها إلى أن نفت، والمشبهة غلت فتفرعت في غلوها حتى مثلت، فالجهمية يستتابون، والمشبهة كذا [رماهم] بأمر عظيم.

وروى أبو بكر الخلال في (كتاب السنة) حدثني أبو بكر ابن صدقة، قال: سمعت أبا بكر بن أبي [ ص: 505 ] عون يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول: [الجواربي] والمريسي كافران، وسمعت يزيد بن هارون وقد ذكر [الجواربي] فضربه مثلا فقال: أما داود [الجواربي] عبر جسر واسط يريد العيد، فانقطع الجسر فغرق من كان عليه، فخرج شيطان فقال: أنا داود [الجواربي].

وذكر عبد الرحمن حدثنا يوسف بن إسحاق حدثنا أحمد بن الوليد، عن محمد بن عمرو بن بكيت، قال: سمعت وكيعا [ ص: 506 ] يقول: وصف داود [الجواربي] الرب فكفر في صفته، فرد عليه المريسي فكفر في رده عليه، إذ قال: هو في كل شيء. وقال عبد الرحمن: حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الصدائي، قال: قال نعيم بن حماد: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ورسوله [تشبيه]. قال عبد الرحمن: حدثنا أحمد بن سلمة [قال]: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن [ ص: 507 ] راهويه يقول: من وصف [الله] فشبه صفاته بصفات أحد من خلقه فهو كافر بالله العظيم؛ لأنه وصف لصفاته إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: وسمعت إسحاق يقول: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة، بل هم [المعطلة]، ولو جاز أن يقال هم المشبهة لاحتمل ذلك، وذلك أنهم يقولون: إن الرب تبارك وتعالى في كل مكان بكماله، في أسفل الأرضين، وأعلى السموات على معنى واحد، وكذبوا في ذلك ولزمهم الكفر.

قال عبد الرحمن: "سمعت أبي يقول: علامة [الجهمية] تسميتهم أهل السنة (مشبهة، وعلامة القدرية [ ص: 508 ] تسميتهم أهل السنة [مجبرة] وعلامة المعتزلة تسميتهم أهل السنة) حشوية وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة [ ص: 509 ] ناصبة".

التالي السابق


الخدمات العلمية