الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما الوصي فهو أبلغ من هذا، لأنه يتصرف بعد انقطاع أمر الموصي بالموت، فهذا يكون له من الاستقلال ما ليس للوكيل والشريك.

حتى تنازع الفقهاء في جواز [توصيته]، فأجاز ذلك من منع توكيل الوكيل، وحتى أجازوا له من التصرفات [ ص: 600 ] ما لا يجوز للوكيل.

وهكذا خلفاء ولاة الأمور، مثل خليفة الإمام الكبير، ذي الإمامة الكبرى، وخليفة الحاكم، وخليفة إمام الصلاة، وغير ذلك، كل من هؤلاء يفعل من جنس ما يفعله مستخلفه، وكل هذا في حق الله ممتنع، واعتقاد ذلك في حق أحد هو من أعظم الشرك، ومن باب اتخاذ البشر أربابا، قال تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون [التوبة: 31] وقال تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [آل عمران: 79-80].

يبين ذلك أن أعظم الخلق منزلة عند الله هم رسله، والرسل إنما هم مبلغون أمره ونهيه، لا يأمرون إلا بما أمر، ولهذا كان رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.

[ ص: 601 ] فطاعتهم طاعة الله، كما قال تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء: 80]؛ لأنهم [بلغوا] أمر الله إلى عباده، فالمطيع لهم مطيع لأمر الله لأنه فاعل ما أمره الله به، وأين الرسول المبلغ أمر غيره من النائب له الخليفة عنه، الذي يتصرف كما يتصرف المستخلف، بينهم فرقان عظيم قال صلى الله عليه وسلم -فيما رواه البخاري: "إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت".

فأما من يتصرف في عباد الله بمشيئته وهواه، فيعطي من أحب ويمنع من أحب، ويوالي من أحب ويعادي من أحب، [ ص: 602 ] بغير أمر الله ولا إذنه، فهذا عدو لله، جبار مختال، من جنس فرعون الذي علا في الأرض، واتخذ أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من [المفسدين]. فهل يكون هؤلاء نوابا عن الله؟! أو خلفاء عنه؟! وهم أعداؤه وعصاته؟! كإبليس، وإن كان الله هو الخالق لكل شيء، فليس كل ما خلقه الله من الأعيان والأفعال يكون محبا له، راضيا به، وإن كان بمشيئته، فإنه سبحانه خالق إبليس وذويه، وهو يبغضهم ويلعنهم ويعاقبهم.

ومن قال عن نفسه أو غيره: إني نائب الله أو خليفة عن الله، ولم يكن أمر بما أمر الله به على ألسن رسله، فقد كذب على الله، واستكبر في الأرض بغير الحق، كما يذكر ذلك عن طائفة من الملوك الجاهلين الظالمين، بل المنافقين المشركين.

وإن كان إنما أمر بما أمر الله به، فهو مصيب في إيجاب [ ص: 603 ] طاعته، إذا أمر بما أمر الله به، ومصيب في [معاقبة] من عصى الله، وإكرام من أطاعه.

التالي السابق


الخدمات العلمية