الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الثالث والعشرون في سيرته- صلى الله عليه وسلم- في الكي

                                                                                                                                                                                                                              وفيه أنواع :

                                                                                                                                                                                                                              الأول : فيما قيل إنه- صلى الله عليه وسلم- اكتوى قال الحافظ- رحمه الله تعالى- : لم أر في أثر صحيح أنه اكتوى ، إلا أن القرطبي نسب إلى «أدب النفوس» للطبري أنه- صلى الله عليه وسلم- اكتوى ، ذكره الحليمي بلفظ «روي أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد» قال الحافظ : والثابت في الصحيح في غزوة أحد «أن فاطمة- رضي الله تعالى عنها- أحرقت حصيرا فحشت به جرحه» وليس هذا الكي المعهود .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : في نهيه- صلى الله عليه وسلم- عنه لغير حاجة .

                                                                                                                                                                                                                              روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمران بن حصين - رضي الله تعالى عنه- نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الكي ، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد بسند جيد عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه- قال : نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الكي ، وكان يكره شرب الحميم .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني في الكبير برجال الصحيح وابن قانع عن سعد الطفري- رضي الله تعالى عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- «نهى عن الكي» وفي لفظ قال : «أنهى عن الكي» وقال : «أكره شرب الحميم» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني في الكبير عن عمران بن حصين - رضي الله تعالى عنه- أن رجلا جاء إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومعه أخوه وقد سقي فقال : يا رسول الله إن أخي قد سقي بطنه فأتينا الأطباء فأمروني بالكي أفأكويه ؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «لا تكوه ورده إلى أهله فمر به بعير ، فضرب بطنه فأحمص بطنه فأتى به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال : «أما إنك لو أتيت به الأطباء ، قلت : النار شفته» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد برجال الصحيح ومسدد وأبو نعيم في الطب عن عائشة - رضي الله تعالى عنها- قالت : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «مكان الكي التكميد ومكان العلاق السعوط ومكان النفخ اللدود» . [ ص: 159 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم في الحلية عن أنس - رضي الله تعالى عنه- قال : كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يكره الكي والطعام الحار ويقول : «عليكم بالبارد فإنه ذو بركة ، ألا وإن الحار لا بركة فيه» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن المغيرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال : «من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطيالسي وابن حبان ومسدد والحاكم والطبراني في الكبير برجال ثقات عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه- «إن ناسا من الأنصار أتوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالوا : إن صاحبا لنا مرض مرضا شديدا ، وإنه نعت له الكي أفنكويه ؟ فسكت ، فعاودناه فسكت ، ثم عاودناه الثالثة ، فقال : «ارصفوه أحرقوه ، وكره ذلك» ،وفي لفظ أبي يعلى : «إن شئتم فاكووه وإن شئتم فارصفوه» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسدد وابن أبي شيبة بسند ضعيف عن جابر - رضي الله تعالى عنه- : قال : اشتكى رجل منا شكوى شديدة فقال الأطباء : لا يبرأ إلا بالكي ، فأراد أهله أن يكووه فقال بعضهم : لا حتى نستأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فاستأمروه فقال : «لا» ، فبرأ الرجل فلما رآه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال : «هذا صاحب بني فلان» ؟ قالوا : نعم قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «إن هذا لو اكتوى لقال الناس : إنما برئ بالكي» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الحارث مرسلا عن العلاء بن زياد- رحمه الله تعالى- أن امرأة أتت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بابن لها قد سقي بطنه فقالت : يا رسول الله إن ابني لمصاب فما ترى أفأكويه فقال : «لا تكويه» فأجمعت أن لا تكويه ، فضربه بعير فخبطه أو لبطه وفقأ بطنه ، فبرأ ، فرجعت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله استأذنتك في ابني أن تكويه فنهيتني ، فمر به بعير فخبطه أو لبطه ففقأ بطنه وبزأ ، فقال : أما إني لو أذنت لك لزعمت أن النار هي التي شفته .

                                                                                                                                                                                                                              الثالث : في كيه- صلى الله عليه وسلم- أصحابه بيده .

                                                                                                                                                                                                                              روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي عن جابر - رضي الله تعالى عنه- قال :

                                                                                                                                                                                                                              [رمي سعد بن معاذ- رضي الله تعالى عنه- ] في أكحله فحسمه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيده بمشقص ثم [ورمت فحسمه الثانية] . [ ص: 160 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني برجال الصحيح عن محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال : حدثني عمي أن أبا أمامة أصابه وجع يسميه أهل المدينة الذبح ، فكواه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيده .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى برجال الصحيح عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كواه .

                                                                                                                                                                                                                              الرابع : في وصفه- صلى الله عليه وسلم- الكي لبعض أصحابه .

                                                                                                                                                                                                                              روى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه عن جابر - رضي الله تعالى عنه- قال : رمي أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- يوم الأحزاب في أكحله فبعث إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه عليه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني في الكبير عن كعب بن مالك - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عاد البراء بن معرور وقد أخذته ذبحة فأمر من يبطه بالنار حتى يوجهه .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية