الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الرابع في ذكر من توسل به- صلى الله عليه وسلم- في حياته من الحيوانات

                                                                                                                                                                                                                              روى ابن شاهين في «دلائله» عن عبد الله بن جعفر - رضي الله تعالى عنه- قال :

                                                                                                                                                                                                                              « أردفني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات يوم خلفه ، فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس ، وقال : كان أحب ما استتر به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لحاجته هدف أو حائش نخل ، فدخل حائط رجل من الأنصار ، فإذا جمل ، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم- حن وذرفت عيناه ، فأتاه النبي- صلى الله عليه وسلم- فمسح سراته وذفراه فسكت » .

                                                                                                                                                                                                                              وفي رواية : « فسكن ، ثم قال : من رب هذا الجمل ؟ لمن هذا الجمل ؟ فجاء فتى من الأنصار ، فقال : هذا لي يا رسول الله ، فقال : أفلا تتقي الله في هذا الجمل ، الذي ملكك الله إياه ، فإنه يشتكي إلي أنك تجيعه وتدئبه » .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم : «إلى حائش نخل» عن محمد بن عبد الله بن أسماء ، ورواه أبو داود بطوله عن موسى بن إسماعيل ، عن مهدي بن ميمون .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن ماجه «أوله» عن مهدي ، وذكر ابن النعمان في كتابه «مصباح الظلام» بسنده عن تميم الداري - رضي الله تعالى عنه- قال : كنا جلوسا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- إذ أقبل بعير يغدو ، حتى وقف على هامة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فزعا ، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «أيها البعير اسكن ، فإن تك صادقا فلك صدقك ، وإن تك كاذبا فعليك كذبك ، مع أن الله قد أمن عائذنا ، وليس بخائب لائذنا» .

                                                                                                                                                                                                                              قلنا : يا رسول الله ما يقول البعير ؟ قال : هم أصحابه بنحره وأكله ، فهرب منهم ، فاستغاث بنبيكم ، فبينما نحن كذلك ، إذ أقبل أصحابه يتعادون ، فلما رآهم البعير عاد إلى هامة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلاذ بها ، فقالوا : يا رسول الله ، بعيرنا هرب منا منذ ثلاثة أيام ، فلم نلقه إلا بين يديك ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «أما إنه شكا ، فيئست الشكاية» ، فقالوا : يا رسول الله ما يقول ؟ قال : «يقول إنه ربي في بيتكم ، وكنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلأ ، وفي الشتاء إذا رحلتم إلى موضع الدفء ، فلما كبر استفحلتموه ، فرزقكم الله به إبلا سائمة ، فلما أدركته هذه السنة الخصبة هممتم بنحره وأكل لحمه ، فقالوا : قدر الله كان ذلك يا رسول الله ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «ما هذا جزاء المملوك الصالح من مواليه ، فقالوا : يا رسول الله إنا لا نبيعه ولا ننحره ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «كذبتم ، قد استغاث بكم فلم تغيثوه ، فأنا أولى بالرحمة منكم ، فاشتراه وأعتقه»
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي في «دلائله عن عطية بن أبي سعيد قال : « مر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بظبي . [ ص: 406 ]

                                                                                                                                                                                                                              مربوطة إلى خباء ،
                                                                                                                                                                                                                              فقالت : يا رسول الله حلني حتى أذهب فأرضع خشفي ، ثم أرجع فتربطني ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : صيد قوم ، وربيطة قوم ، قال : فأخذ عليها فحلفت له ، فحلها ، فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت ، وقد نفضت ما في ضرعها ، فربطها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ، ثم أتى خباء أصحابها ، فاستوهبها منهم ، فوهبوها له ، فحلها ثم قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم سمينا أبدا
                                                                                                                                                                                                                              » .

                                                                                                                                                                                                                              والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، وقد تقدم بعضها في أبواب معجزاته- صلى الله عليه وسلم- .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية