الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ . إتحاف السادة المتقين (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ) ، هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا: "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ"؛ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَيَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الْوَاجِبِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَهَلْ يَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا يَجِبُ، وَأَصَحُّهُمَا لَا، وَإِنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ تَابِعَةٌ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَلْ يُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا -وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - لَا؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَأَصَحُّهُمَا -وَيُرْوَى عَنْ مَالِكٍ - أَنَّهَا تُسَنُّ، لِأَنَّهَا ذِكْرٌ يَجِبُ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، فَيُسَنُّ فِي الْأُولَى كَالتَّشَهُّدِ . وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِيهِ عَلَى الْآلِ، فَتَنْبَنِي عَلَى إِيجَابِهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ إِنْ أَوْجَبْنَاهَا، فَفِي اسْتِحْبَابِهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهَا -وَهُوَ الْأَصَحُّ- فَلَا نَسْتَحِبُّهَا عَلَى الْآلِ، وَإِذَا قُلْنَا: لَا تُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ كَانَ نَاقِلًا لِلرُّكْنِ إِلَى غَيْرِهِ، وَفِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ كَلَامٌ يَأْتِي فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَا إِذَا قُلْنَا لَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُنُوتِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا أَوْجَبْنَا الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَلَمْ نَسْتَحِبَّهَا فِي الْأَوَّلِ، فَأَتَى بِهَا، وَآلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ كُلُّ مُسْلِمٍ اهـ . قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ نَقَلَهُ الْأَزْهَرِيُّ فِي "التَّهْذِيبِ"، وَمِنَ الْغَرِيبِ مَا نَقَلَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي "مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ ": إِنَّمَا أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ شَرِيفٌ. وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ فَقَالَ: وَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى هَذَا، وَإِنَّمَا قَالَهُ بِالدَّلِيلِ، ثُمَّ أَطَالَ فِيهِ فِي "شَرْحِ الْبَسِيطِ" فَرَاجِعْهُ، ثُمَّ قَالَالرَّافِعِيُّ : أَقَلُّ صَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَلَوْ قَالَ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، جَازَ، وَفِي وَجْهٍ يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْكِنَايَةُ تَرْجِعُ إِلَى ذِكْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا نَظَرٌ إِلَى الْمَعْنَى، وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ أَنْ يَقُولَ: وَآلِهِ، وَلَفْظُ "الْوَجِيزِ" يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ ثُمَّ حَكَمَ بِأَنَّ مَا بَعْدَهُ مَسْنُونٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وَغَيْرُهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. قُلْتُ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِهَذَا السِّيَاقِ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ : قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزِيدُ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ، كَمَا رَحِمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَرُبَّمَا يَقُولُونَ: كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: وَهَذَا لَمْ يَرِدْ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: رَحِمْتُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: رَحِمْتُهُ . وَأَمَّا التَّرَحُّمُ فَفِيهِ مَعْنَى التَّكَلُّفِ وَالتَّصَنُّعِ، فَلَا يَحْسُنُ إِطْلَاقُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى . قُلْتُ: وَقَدْ بَالَغَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي إِنْكَارِهِ، وَخَطَّأَ ابْنَ أَبِي زَيْدٍ الْمَالِكِيَّ فِيهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية