الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفي الصبح في السفر قل يا أيها الكافرون وقل ، هو الله أحد وكذلك في ركعتي الفجر والطواف والتحية وهو في جميع ذلك مستديم للقيام ووضع اليدين كما وصفنا في أول الصلاة .

التالي السابق


(و) استثنى الشيخ أبو حامد في مختصره، والمصنف في "الخلاصة" و"البداية" أنه يستحب (في الصبح في السفر) ، أن يقرأ في الأولى: (قل يا أيها الكافرون، و) في الثانية (قل هو الله أحد) ، قال المزجد: قال ابن النحوي: وفيه حديث رأيته في "المعجم" للطبراني في إسناده ضعيفان .

قلت: والذي في سنن أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم قرأ بالمعوذتين في الفجر في السفر، وشمل الإطلاق حالة القرار كحالة السير، فما وقع في كتب أصحابنا أنه محمول على حالة العجلة، والسير ليس له أصل يعتمد عليه من جهة الرواية، فقال: وفي الجزء الثامن عشر من "الخلفيات" من حديث ابن عمر : "وقد صلى بهم الفجر، فقرأ: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد"، قال الحافظ: رجاله ثقات إلا مبدل بن علي، وفيه ضعف، وكأنه وهم في قوله "بهم"، فإن الثابت أنه كان يقرأ بهما في ركعتي الفجر، والذي نقله المزجد عن ابن النحوي أنه رآه في معجم الطبراني، وفي سنده ضعيفان، أشار بذلك -والله أعلم -إلى ما أخرجه الطبراني في معجمه الكبير، فقال: حدثنا محمد بن يعقوب حدثنا أبو الأشعث، حدثنا أصرم بن حوشب، حدثنا إسحاق بن واصل، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: قلنا لعبد الله بن جعفر، حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رأيت منه، ولا تحدثنا عن غيره، وإن كان ثقة، قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"، فذكر حديثا طويلا، وفيه: "وكان يقرأ في الركعتين قبل الصبح، وفي الركعتين بعد المغرب: قل يا أيها الكافرون ، و قل هو الله أحد . قال الحافظ: أصرم وشيخه ضعيفان .

قلت: لكن لا يتم الاستدلال به لكونه نصا في ركعتي السنة لا الفرض، (وكذلك) الحكم (في ركعتي الفجر) ، أي: سنته، (و) ركعتي (الطواف و) ركعتي (التحية) ، أي: تحية المسجد، وكذا الاستخارة، وركعتا المغرب، وكان على المصنف أن يذكرهما كذلك، فإن حكم الكل واحد، أما ركعتا الفجر، فقد أخرجه الترمذي وابن ماجه ومحمد بن نصر من حديث ابن مسعود، والطبراني من حديث عبد الله بن جعفر، وقد ذكر قريبا، أما ركعتا الطواف، فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة من حديث جابر.

وأما ركعتا الاستخارة، فقال النووي في "الأذكار": لم أقف عليها في شيء من الأحاديث، وقال العراقي في شرح الترمذي بعد أن نقل كلام النووي -سبقه إليه الغزالي في "الإحياء"-: ولم أجد لذلك أصلا، ولكنه حسن؛ لأن المقام يناسب الإخلاص، فتأمل .



(تنبيه) :

قال الرافعي : وهل تفضل الركعة الأولى على الثانية؟ فيه وجهان، أظهرهما لا، والثاني -وبه قال الماسرجسي: نعم، قال النووي : قلت: الذي صححه هو الراجح عند جماعة الأصحاب، لكن الأصح التفضيل، فقد صح فيه الحديث، واختاره القاضي أبو الطيب والمحققون، ونقله عن عامة أصحابنا الخراسانيين، والله أعلم .

قلت: وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يسن إطالة أولى غير الفجر، وقال محمد: أحب إلي أن أطول الأولى على الثانية في الصلوات كلها، ولهما ما رواه أبو سعيد [ ص: 53 ] الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية" أخرجه مسلم، فإنه نص ظاهر في المساواة، ولمحمد حديث أبي قتادة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين فاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، ويطول في الأولى ما لا يطول في الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح" رواه الشيخان، واللفظ للبخاري، ورواه أبو داود بمعناه، وفي رواية له: "وكان يطول الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية، وكذا في الصبح". فهذا يحتمل أن يكون التطويل فيه ناشئا عن جملة الثناء والتعوذ والتسمية وقراءة ما دون الثلاث، فيحمل عليه جمعا بين المتعارضين بقدر الإمكان، وقيدنا بالإطالة في الأولى؛ لأنه يكره إطالة الثانية على الأولى اتفاقا، وإنما يكون بثلاث آيات فما فوقها، فإن كان آية أو آيتين لا يكره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قرأ بالمعوذتين في المغرب، والثانية أطول بآية، والله أعلم .




الخدمات العلمية