الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وجاء في الخبر إن الملائكة يتفقدون الرجل إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة ، فيسأل بعضهم بعضا عنه ما فعل فلان ؟ وما الذي أخره عن وقته ؟ فيقولون : اللهم إن كان أخره فقر فأغنه ، وإن كان أخره مرض فاشفه ، وإن كان أخره شغل ففرغه لعبادتك ، وإن كان أخره لهو فأقبل بقلبه إلى طاعتك وكان يرى في القرن الأول سحرا وبعد الفجر الطرقات مملوءة من الناس يمشون في السرج ويزدحمون بها إلى الجامع كأيام العيد حتى اندرس ذلك فقيل : أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع .

وكيف لا يستحي المسلمون من اليهود والنصارى وهم يبكرون إلى البيع والكنائس يوم السبت والأحد وطلاب الدنيا كيف يبكرون إلى رحاب الأسواق للبيع والشراء والربح فلم لا يسابقهم طلاب الآخرة ويقال : إن الناس يكونون في قربهم عند النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى على قدر بكورهم إلى الجمعة .

ودخل ابن مسعود رضي الله عنه بكرة الجامع ، فرأى ثلاثة نفر قد سبقوه بالبكور ، فاغتم لذلك ، وجعل يقول في نفسه معاتبا لها : رابع أربعة ، وما رابع أربعة من البكور ببعيد .

التالي السابق


(وجاء في الآثار أن الملائكة يتفقدون العبد إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة، فيسأل بعضهم بعضا عنه ما فعل فلان؟ وما الذي أخره عن وقته؟ فيقولون: اللهم إن كان أخره فقر فأغنه، وإن كان أخره مرض فاشفه، وإن كان أخره شغل ففرغه لعبادتك، وإن كان أخره لهو فأقبل عليه حتى يقبل بقلبه إلى طاعتك) . هكذا نقله صاحب القوت، وقال العراقي: أخرجه البيهقي من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مع زيادة ونقص بإسناد حسن، واعلم أن المصنف ذكر هذا أثرا، فإن لم يرد به حديثا مرفوعا، فليس من شرطنا، وإنما ذكرناه احتياطا. اهـ .

قلت: كذا في بعض نسخ الكتاب، وفي الآثار، ووجد في بعضها، وجاء في الخبر، ومثله في القوت، والحديث قد أخرجه ابن خزيمة في الصحيح من هذا الطريق بلفظ: فيقول بعض الملائكة لبعض: ما حبس فلانا؟ فتقول اللهم إن كان ضالا فاهده، وإن كان فقيرا فأغنه، وإن كان مريضا فعافه. (وكان يرى في القرن الأول) يوم الجمعة (سحرا) ، أي: قبل الفجر (وبعد الفجر الطرقات مملوءة من الناس يمشون في السرج) جمع سراج؛ أي: في ضوئها (ويزدحمون فيها) ، أي: في الطرقات (إلى) المسجد (الجامع كأيام الأعياد) في بكورهم فيها (حتى إنه اندرس ذلك) ، وقل وجهل، (فقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع) انتزع المصنف هذه العبارة من القوت، ولفظه: وكثير من السلف كان يصلي الغداة يوم الجمعة في الجامع، ويقعد ينتظر صلاة الجمعة لأجل البكور؛ ليستوعب فضل الساعة الأولى، ولأجل ختم القرآن، وعامة المؤمنين كانوا ينحرفون من صلاة الغداة من مساجدهم، فيتوجهون إلى جوامعهم، ويقال: أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع قال: وكنت ترى يوم الجمعة سحرا، أو بعد صلاة الفجر الطرقات مملوءة من الناس يمشون في السرج، ويزدحمون فيها إلى الجامع، كما ترون اليوم في الأعياد، حتى درس ذلك، وقل وجهل وترك (وكيف لا يستحي المؤمنون من) طائفة (اليهود والنصارى وهم يبكرون إلى البيع والكنائس) البيع بكسر ففتح، جمع بيعة، وهي متعبد النصارى، والكنائس جمع كنيسة، وهي متعبد اليهود (يوم السبت والأحد) ، ففيه لف ونشر غير مرتب، وقد تطلق الكنيسة على متعبد النصارى أيضا (و) كيف لا يستحون من (طلاب الدنيا) ، وهم السماسرة والتجار والسوقية (كيف يبكرون إلى رحاب الجامع) ، وفي نسخة: إلى رحاب الأسواق، وفي نسخة: إلى الأسواق، والأولى هي الموافقة، كما في القوت: (للبيع وطلب الأرباح) ، أي: الفوائد (فلم لا يسابقهم طلاب الآخرة) لتحصيل أرباحها، وأجورها؟ ولفظ القوت: أولا يستحي المؤمن الموقن أن أهل الذمة يبكرون إلى كنائسهم، وبيعهم قبل خروجه إلى جامعه؟ أولا يعتبر بأهل الأطعمة الباعة في رحاب الجامع يعدون للدنيا والمعاش قبل غدوه إلى الله -عز وجل-، وإلى الآخرة؟ فينبغي أن يسابقهم إلى مولاه، ويسارعهم إلى ما عنده من زلفاه (ويقال: إن الناس يكونون في قربهم عند النظر إلى وجه الله -عز وجل- على قدر بكورهم إلى الجمعة) ، ولفظ القوت: في قربهم من الله تعالى عند الزيارة إليه على قدر بكورهم في الجمعة .

قلت: وروي [ ص: 260 ] ذلك مسندا مرفوعا -كما ترى- بعد هذا الكلام (و) يروى أنه (دخل ابن مسعود) -رضي الله عنه- يوم الجمعة (بكرة، فرأى ثلاثة نفر) من الناس (قد سبقوه بالبكور، فاغتم لذلك، وجعل يقول لنفسه معاتبا لها: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد بالبكور) يعني نفسه. نقله صاحب القوت، ثم قال: وهذا من اليقين في هذه المشاهدة للخبر .

قلت: وقد أجحف صاحب القوت، وقدم وأخر، وأورد الحديث المسند المرفوع بقوله: ويقال، ثم قال: ودخل ابن مسعود .. إلخ، ثم أشار في آخر سياقه أنه كلام واحد، وأنه خبر مرفوع، وفيه تعقيد لا يليق بمقام الأجلاء، وجاء المصنف تبعه على سياقه، وهو معذور، فإن عمدته فيما ينقله غالبا صاحب القوت، فلا يتعدى نصه، وهذه القصة والحديث ذكرهما ابن ماجه في السنن، فقال: حدثنا كثير بن عبيد، عن عبد المجيد بن عبد العزيز: فوجد ثلاثة نفر سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الناس يجلسون من الله تعالى يوم القيامة قدر رواحهم إلى الجمعة، الأول والثاني والثالث. ثم قال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، وعبد المجيد بن أبي رواد ثقة خرج له مسلم والأربعة، وفي الخبر دلالة على أن مراتب الناس في الفضيلة في الجمعة وغيرها بحسب أعمالهم، وهو من باب قوله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم ؛ أي: فالمبكرون إليها في أول الساعة أقربهم إلى الله تعالى، ثم من يليهم على الترتيب المعروف. والله أعلم .




الخدمات العلمية