الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَيَجْلِسُ فِي هَذَا التَّشَهُّدِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى كَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ . وَفِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ يَسْتَكْمِلُ الدُّعَاءَ الْمَأْثُورَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . (تَنْبِيهٌ) : لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي صَلَاتِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَدَلِيلُهُمْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ مَا أَعْجَبُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو"، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ : لَا يَدْعُو إِلَّا بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ، وَالْأَدْعِيَةَ الْمَأْثُورَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ، وَمِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْ يَقُولُ: يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِمَا لَا يُطْلَبُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا إِذَا دَعَا بِمَا يُمْكِنُ أَنْ يُطْلَبَ مِنَ الْآدَمِيِّينَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَدَلِيلُنَا صَرِيحُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَحَصَلَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، فَقَدَّمْنَا الْمَانِعَ عَلَى الْمُبِيحِ، وَمَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا: بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ، كَالَّذِي تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الِاسْتِعَاذَةِ عَنِ الْأَرْبَعِ، وَكَقَوْلِهِ: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ تُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَتْ بِقُرْآنٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْقِرَاءَةَ، بَلِ الدُّعَاءَ، حَتَّى جَازَ الدُّعَاءُ بِهَا مَعَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ، أَيْ بِمَا لَا يَسْتَحِيلُ طَلَبُهُ مِنْهُمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ: "اللَّهُمَّ اكْسُنِي، اللَّهُمَّ زَوِّجْنِي فُلَانَةً، أَوْ أَعْطِنِي مَالًا أَوْ مَتَاعًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، حَتَّى لَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْقُعُودِ الْأَخِيرِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ . وَأَمَّا بَعْدَ التَّشَهُّدِ فَلَا، وَلَكِنْ تَكُونُ نَاقِصَةً لِتَرْكِ السَّلَامِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ، وَخُرُوجُهُ مِنْهَا بِدُونِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَكَلَّمَ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا آخَرَ مُنَافِيًا لِلصَّلَاةِ، وَجَعَلَ صَاحِبُ "الْهِدَايَةِ" قَوْلَهُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، مِمَّا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ، وَصَحَّحَهُ فِي "الْكَافِي" وَاعْتَرَضَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ فِي "فَتْحِ الْقَدِيرِ"، وَرَجَّحَ عَدَمَ الْفَسَادِ، وَقَالَ: "لِأَنَّ الرَّازِقَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي "الْخُلَاصَةِ": وَلَوْ قَالَ ارْزُقْنِي فُلَانَةً الْأَصَحُّ أَنَّهَا تَفْسَدُ، أَوِ ارْزُقْنِي الْحَجَّ الْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَفْسَدُ، وَفِي قَوْلِهِ: اكْسُنِي ثَوْبًا، وَالْعَنْ فُلَانًا، وَاغْفِرْ لِعَمِّي وَخَالِي تَفْسَدُ، وَفِي ارْزُقْنِي رُؤْيَتَكَ لَا تَفْسَدُ". هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ، عَلَى أَنَّ الرَّافِعِيَّ قَدْ نَقَلَ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ حَكَى فِي "النِّهَايَةِ" عَنْ شَيْخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ صِفَتُهَا كَذَا، وَيَمِيلُ إِلَى الْمَنْعِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ : الدُّعَاءُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا فِي الصَّلَاةِ خَطِرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا الْجَائِزَةُ بِالْمَحْظُورَةِ، فَيَدْعُو بِالْمَحْظُورِ فَيَكُونُ عَاصِيًا مُتَكَلِّمًا فِي الصَّلَاةِ، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامَّةَ يَلْتَبِسُ عَلَيْهَا الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ؟ فَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ عَلَى عَامِّيٍّ بِحَقٍّ فَظَنَّهُ بَاطِلًا فَدَعَا عَلَى الْحَاكِمِ بَاطِلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَتَمْيِيزُ الْحُظُوظِ الْجَائِزَةِ مِنَ الْمُحَرَّمَةِ عَسِرٌ جِدًّا، فَالصَّوَابُ أَنْ لَا يَدْعُوَ بِدُنْيَاهُ إِلَّا عَلَى تَثَبُّتٍ مِنَ الْجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية