الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَيَجْزِمُ التَّسْلِيمَ وَلَا يَمُدُّهُ مَدًّا ، فَهُوَ السُّنَّةُ . إتحاف السادة المتقين (وَيَجْزِمُ التَّسْلِيمَ وَلَا يَمُدُّهُ مَدًّا، فَهُوَ السُّنَّةُ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَيَحْذِفُ التَّسْلِيمَ، وَفِي أُخْرَى: وَيُخَفِّفُ السَّلَامَ . قُلْتُ: وَالنُّسْخَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ؛ قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ: حَدِيثُ "حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ اهـ . قُلْتُ: قَالَ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي "مَقَاصِدِهِ": وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ مَعَ حِكَايَتِهِمَا الْوَقْفَ أَيْضًا، وَوَقَفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْفِرْيَابِيِّ قَالَ: نَهَانِي أَحْمَدُ عَنْ رَفْعِهِ، وَعَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ الرَّمْلِيِّ قَالَ: نَهَانِي ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ رَفْعِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا نَهَيَا أَنْ يُعْزَى هَذَا الْقَوْلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِلَّا فَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ: السُّنَّةُ كَذَا، لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ عَلَى الصَّحِيحِ، عَلَى أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ: كَانَ وَقْفُهُ تَقْصِيرًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَصَحَّحَّ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "الْعِلَلِ" فِي حَدِيثِ الْفِرْيَابِيِّ وَقْفَهُ، وَأَمَّا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا وَلَا مَوْقُوفًا اهـ . قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ قُرَّةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ عَبْدَانُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَوَقَفَهُ، وَكَأَنَّهُ تَقْصِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ . قُلْتُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ الْفِرْيَابِيِّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَالَ بِأَثَرِهِ: إِنَّ الْفِرْيَابِيَّ لَمَّا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ تَرَكَ رَفْعَهُ، وَقَالَ: نَهَانِي أَحْمَدُ عَنْ رَفْعِهِ، فَهَذَا، وَكَذَا قَوْلُ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَتَصْحِيحُ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْعِلَلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْوَقْفِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِتَقْصِيرٍ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ كَمَا زَعَمَ الْبَيْهَقِيُّ، عَلَى أَنَّ مَدَارَ هَذَا الْحَدِيثِ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا عَلَى قُرَّةَ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَيْوِيلٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ آنِفًا، فَتَأَمَّلْ. وَمِمَّا يَشْهَدُ لِلنُّسْخَةِ الْأُولَى مَا حَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي "جَامِعِهِ" عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخْعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: التَّكْبِيرُ جَزْمٌ وَالتَّسْلِيمُ جَزْمٌ، وَمِنْ جِهَتِهِ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي "سُنَنِهِ" بِزِيَادَةِ: وَالْقِرَاءَةُ جَزْمٌ، وَالْأَذَانُ جَزْمٌ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي مَعْنَاهُ: إِنَّ التَّكْبِيرَ وَالسَّلَامَ لَا يُمَدَّانِ، وَلَا يُعْرَبُ التَّكْبِيرُ، بَلْ يُسَكَّنُ آخِرُهُ، وَتَبِعَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ جَزْمٌ لَا يُمَدُّ، وَعَلَيْهِ مَشَى الزَّرْكَشِيُّ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الرَّفْعَ بِالْخَبَرِيَّةِ، لَكِنْ قَدْ خَالَفَهُمُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ: فِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ الْجَزْمِ فِي مُقَابِلِ الْإِعْرَابِ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَكَيْفَ تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْأَلْفَاظُ النَّبَوِيَّةُ؟ يَعْنِي عَلَى طَرِيقِ الثُّبُوتِ، وَجَزَمَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِحَذْفِ السَّلَامِ وَجَزْمِ التَّكْبِيرِ الْإِسْرَاعُ بِهِ، قَالَ تِلْمِيذُهُ السَّخَاوِيُّ: وَقَدْ أَسْنَدَ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُوشَنْجِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَذْفِ السَّلَامِ، فَقَالَ: لَا يُمَدُّ، وَكَذَا أَسْنَدَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "جَامِعِهِ" عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَمُدُّهُ مَدًّا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهُوَ الَّذِي اسْتَحَبَّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ . قُلْتُ: وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِسِيَاقِ الْمُصَنِّفِ فِي النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ: "وَيَحْذِفُ السَّلَامَ، وَلَا يَمُدُّهُ مَدًّا، فَهُوَ السُّنَّةُ، ثُمَّ قَالَالسَّخَاوِيُّ: وَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ يُدْرِجَ لَفْظَ السَّلَامِ وَلَا يَمُدَّهُ مَدًّا، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَرَفْعُ الصَّوْتِ غَيْرُ الْمَدِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِسْرَاعُ الْإِمَامِ بِهِ لِئَلَّا يَسْبِقَهُ الْمَأْمُومُ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ قَوْلُهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ فِيهِمَا الْإِعْرَابَ الْمُبَشَّعَ اهـ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية