الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين أَمَّا الْإِقْعَاءُ فَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى وِرْكَيْهِ وَيَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ ، وَيَجْعَلَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَالْكَلْبِ . وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى سَاقَيْهِ جَاثِيًا وَلَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ إِلَّا رُءُوسُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ . وَأَمَّا السَّدْلُ فَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِيهِ أَنْ يَلْتَحِفَ بِثَوْبِهِ وَيُدْخِلَ يَدَيْهِ مِنْ دَاخِلٍ ، فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ كَذَلِكَ . وَكَانَ هَذَا فِعْلَ الْيَهُودِ فِي صَلَاتِهِمْ فَنُهُوا عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ . وَالْقَمِيصُ فِي مَعْنَاهُ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ وَيَدَاهُ فِي بَدَنِ الْقَمِيصِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْ يَضَعَ وَسَطَ الْإِزَارِ عَلَى رَأْسِهِ ، وَيُرْسِلَ طَرَفَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُمَا عَلَى كَتِفَيْهِ . وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ . وَأَمَّا الْكَفُّ فَهُوَ أَنْ يَرْفَعَ ثِيَابَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَوْ مِنْ خَلْفِهِ إِذَا أَرَادَ السُّجُودَ . وَقَدْ يَكُونُ الْكَفُّ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ فَلَا يُصَلِّيَنَّ وَهُوَ عَاقِصٌ شَعْرَهُ وَالنَّهْيُ لِلرِّجَالِ . وَفِي الْحَدِيثِ : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ ، وَلَا أَكْفِتَ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا وَكَرِهَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَأْتَزِرَ فَوْقَ الْقَمِيصِ فِي الصَّلَاةِ ، وَرَآهُ مِنَ الْكَفْتِ وَأَمَّا الِاخْتِصَارُ فَأَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خَاصِرَتَيْهِ . إتحاف السادة المتقين ثُمَّ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ مَا أَجْمَلَهُ أَوَّلًا فَقَالَ: (أَمَّا الْإِقْعَاءُ) الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، (فَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى وِرْكَيْهِ وَيَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ، وَيَجْعَلَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَالْكَلْبِ) ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْإِقْعَاءُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ، وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَتَسَانَدَ إِلَى ظَهْرِهِ، كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ بَدَلَ قَوْلِهِ "وَيَتَسَانَدُ": "وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ". وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: أَقْعَى الْكَلْبُ: جَلَسَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَنَصَبَ فَخْذَيْهِ، (وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ) هُوَ (أَنْ يَجْلِسَ عَلَى سَاقَيْهِ جَاثِيًا) ، أَيْ: بَارِكًا، (وَلَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ إِلَّا رُءُوسُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَالْأَلْيَتَانِ وَالرُّكْبَتَانِ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: "إِلَّا رُءُوسُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ". وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "التَّمْهِيدِ" عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ يَجْعَلُونَ الْإِقْعَاءَ أَنْ يَجْعَلَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُمْ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَرَأَوْهُ مِنَ الْإِقْعَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَصُحِّحَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقْعِي إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَكِي، وَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ، فَدَلَّ أَنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ كَرِهَهُ اهـ . وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ يَضَعُ قَدَمَيْهِ، وَيَجْلِسُ عَلَى صُدُورِهِمَا، قَالَ الْحَافِظُ: حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ" عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي "الْبُوَيْطِيِّ"، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ طَاوُسَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَنْ طَاوُسَ قَالَ: رَأَيْتُ الْعَبَادِلَةَ يُقْعُونَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَحَادِيثِ النَّهْيِ، فَجَنَحَ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ إِلَى أَنَّ الْإِقْعَاءَ مَنْسُوخٌ، وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، وَجَنَحَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِقْعَاءَ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ وَتَكُونَ رُكْبَتَاهُ فِي الْأَرْضِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَفَعَلَهُ الْعَبَادِلَةُ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي "الْبُوَيْطِيِّ" عَلَى اسْتِحْبَابِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الِافْتِرَاشَ أَفْضَلُ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لَهُ، وَلِأَنَّهُ أَحْسَنُ هَيْئَةٍ لِلصَّلَاةِ، وَالثَّانِي أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ وَيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِكَرَاهَتِهِ، وَتَبِعَ الْبَيْهَقِيَّ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ، وَأَنْكَرَا عَلَى مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ، وَقَالَا: كَيْفَ ثَبَتَ النَّسْخُ مَعَ عَدَمِ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ فِيهِمَا، وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِالتَّارِيخِ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . (وَأَمَّا السَّدْلُ فَمَذْهَبُ) أَهْلِ اللُّغَةِ فِيهِ أَنَّهُ الْإِرْخَاءُ مِنْ غَيْرِ ضَمٍّ، يُقَالُ: سَدَلْتُ الثَّوْبَ سَدْلًا: أَرْخَيْتَهُ وَأَرْسَلْتَهُ مِنْ غَيْرِ ضَمِّ جَانِبَيْهِ، فَإِنْ ضَمَمْتَهُمَا فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ التَّلَفُّفِ قَالُوا: وَلَا يُقَالُ فِيهِ: أَسْدَلْتُهُ بِالْأَلِفِ، كَذَا فِي "الْمِصْبَاحِ"، وَفِي "الْقُوتِ": السَّدْلُ أَنْ يُرْخِيَ أَطْرَافَ ثِيَابِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ قَائِمٌ، يُقَالُ: سَدَلَ وَسَدَنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ -وَقَدْ تُبَدَّلُ اللَّامُ نُونًا لِقُرْبِ الْمَخْرَجَيْنِ- إِذَا أَرْسَلَ ثِيَابَهُ، وَمِنْهُ قِيلَ: سَدَنَةُ الْكَعْبَةِ، وَهُمْ قُوَّامُهَا الَّذِينَ يُسْبِلُونَ عَلَيْهَا كُسْوَتَهَا، وَأَحَدُهُمْ سَادِنٌ، (وَ) مَذْهَبُ (أَهْلِ الْحَدِيثِ) فِي السَّدْلِ (أَنْ يَلْتَحِفَ بِثَوْبِهِ وَيُدْخِلَ يَدَيْهِ مِنْ دَاخِلٍ، فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ كَذَلِكَ) ، وَقَالَ صَاحِبُ "الْعَوَارِفِ": وَيَجْتَنِبُ الْمُصَلِّي مِنَ السَّدْلِ، وَهُوَ أَنْ يُرْخِيَ أَطْرَافَ الثَّوْبِ إِلَى الْأَرْضِ، فَفِيهِ مَعْنَى الْخُيَلَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَلْتَفُّ بِالثَّوْبِ وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ مِنْ دَاخِلٍ، فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْمَنَاوِيُّ فِي "شَرْحِ الْجَامِعِ": السَّدْلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ إِرْسَالُ الثَّوْبِ حَتَّى يُصِيبَ الْأَرْضَ، وَخَصَّ الصَّلَاةَ مَعَ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ، وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ أَقْبَحُ، فَالسَّدْلُ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا، وَفِي الصَّلَاةِ أَشَدُّ اهـ . وَقَدْ عُرِفَ مِنْ سِيَاقِهِمَا أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ مَنْظُورٌ فِي السَّدْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ تَبِعَ سِيَاقَ صَاحِبِ "الْقُوتِ" عَلَى عَادَتِهِ، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ "الْقُوتِ": (وَكَانَ هَذَا فِعْلَ الْيَهُودِ فِي صَلَاتِهِمْ) ، إِذَا صَلُّوا (فَنُهُوا) مُعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ (عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ) ، فَهَذِهِ عِلَّةُ النَّهْيِ، وَهِيَ غَيْرُ الَّتِي ذَكَرَهَا صَاحِبُ "الْعَوَارِفِ" وَالْمَنَاوِيُّ . قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَةَ : التَّشَبُّهُ بِالْكُفَّارِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إِجْمَاعًا، قَالَ: وَلَمَّا صَارَ الْعِمَامَةُ الصَّفْرَاءُ وَالزَّرْقَاءُ مِنْ شِعَارِهِمْ حَرُمَ لُبْسُهَا، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ "الْقُوتِ": (وَالْقَمِيصُ فِي مَعْنَاهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ وَيَدَاهُ فِي بَدَنِ الْقَمِيصِ) ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَاسِعًا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَدَاهُ مِنْ دَاخِلِ الْقَمِيصِ، أَوْ يَسْجُدَ وَإِحْدَى يَدَيْهِ فِي بَدَنِ الْقَمِيصِ إِذَا اتَّسَعَ، فَأَمَّا أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي جَسَدِ الْقَمِيصِ فِي السُّجُودِ فَمَكْرُوهٌ، كُلُّ هَذَا عِبَارَةُ "الْقُوتِ" . وَفِي "الْقَامُوسِ": الْقَمِيصُ مَعْرُوفٌ وَقَدْ يُؤَنَّثُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْقُطْنِ، وَأَمَّا مِنَ الصُّوفِ فَلَا اهـ . وَكَانَ حَصْرُهُ لِلْغَالِبِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الَّذِي كَانَ الْأَحَبَّ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُتَّخَذُ مِنَ الْقُطْنِ لَا الصُّوفِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْبَدَنَ، وَيُدِرُّ الْعَرَقَ، وَرَائِحَتُهُ فِيهِ يُتَأَذَّى بِهَا، وَأَخْرَجَ الدِّمْيَاطِيُّ بِسَنَدِهِ: "كَانَ قَمِيصُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُطْنًا قَصِيرَ الطُّولِ وَالْكُمَّيْنِ". ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ "الْقُوتِ": وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ قَوْلًا ثَالِثًا فِي السَّدْلِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ يَضَعَ وَسَطَ الْإِزَارِ عَلَى رَأْسِهِ، وَيُرْسِلَ طَرَفَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُمَا عَلَى كَتِفَيْهِ) ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدِي، (وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ) ، وَنَصُّ "الْقُوتِ" أَعْجَبُ لِي، وَهُمَا مَذْهَبُ الْقُدَمَاءِ . وَقَالَ الْجُحَادِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي "إِقْنَاعِهِ": يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ السَّدْلُ سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَوْ لَا، وَهُوَ أَنْ يَطْرَحَ ثَوْبًا عَلَى كَتِفَيْهِ، وَلَا يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى، فَإِنْ رَدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى أَوْ ضَمَّ طَرَفَيْهِ بِيَدَيْهِ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ طَرَحَ الْقَبَاءَ عَلَى الْكَتِفَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَلَيْسَ مِنَ السَّدْلِ الْمَكْرُوهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ: يَعْنِي أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ تَيْمِيَةَ اهـ . وَقَدْ ذَكَرَ الْمَنَاوِيُّ فِي "شَرْحِ الْجَامِعِ" فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَدْلُ الْيَدِ، وَهُوَ إِرْسَالُهَا فِي الصَّلَاةِ . قُلْتُ: وَهُوَ مَعْنًى غَرِيبٌ. وَالثَّانِي: أَرَادَ بِهِ سَدْلَ الشَّعْرِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا سَتَرَ الْجَبْهَةَ وَغَطَّى الْوَجْهَ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ، فَتَأَمَّلْ. (وَأَمَّا الْكَفُّ) وَكَذَا الْكَفْتُ (فَهُوَ أَنْ يَرْفَعَ ثِيَابَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَوْ مِنْ خَلْفِهِ إِذَا أَرَادَ السُّجُودَ) ، هَكَذَا هُوَ فِي "الْقُوتِ"، وَالَّذِي ذَكَرَهُ شُرَّاحُ الْبُخَارِيِّ هُوَ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، فَكَأَنَّ صَاحِبَ "الْقُوتِ" أَرَادَ بِرَفْعِ الثِّيَابِ جَمْعَهَا إِلَى فَوْقٍ وَضَمَّهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ "الْقُوتِ": (وَقَدْ يَكُونُ الْكَفُّ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ فَلَا يُصَلِّيَنَّ) أَحَدُكُمْ (وَهُوَ عَاقِصٌ شَعْرَهُ) ، زَادَ الْمُصَنِّفُ: (وَالنَّهْيُ لِلرِّجَالِ) ، أَمَّا النِّسَاءُ فَيَجُوزُ لَهُنَّ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: "نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ". قَالَ الشَّارِحُ: لِأَنَّ شَعْرَهُ إِذَا نُشِرَ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ السُّجُودِ، فَيُعْطَى صَاحِبُهُ ثَوَابَ السُّجُودِ بِهِ، وَرِجَالُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ رِجَالُ الصَّحِيحِ، قَالَهُ الْهَيْتَمِيُّ . قُلْتُ: رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَذَا رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ عَنِ الْمُؤَمَّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، قَالَ إِسْحَاقُ: قُلْتُ لِلْمُؤَمَّلِ أَفِيهِ أُمُّ سَلَمَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ بِلَفْظِ: "نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ عَاقِصٌ شَعْرَهُ". وَهَذَا اللَّفْظُ أَقْرَبُ إِلَى سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ، وَلَوْ أَنَّهُ أَبْدَاهُ وَجْهًا تَبَعًا لِصَاحِبِ "الْقُوتِ"، وَلَمْ يُشِرْ إِلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ : "لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ عَاقِصًا رَأْسَهُ". (وَفِي الْحَدِيثِ: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا أَكُفَّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا) ، هَكَذَا هُوَ نَصُّ "الْقُوتِ"، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ : بَابُ السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : "أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ وَلَا يَكُفَّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا: الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ". ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا نُسْكِنَ ثَوْبًا وَلَا شَعْرًا". ثُمَّ قَالَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعْرَ". وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ الشَّارِحُ: وَلَا يَكُفُّ، أَيْ: وَلَا يَضُمُّ وَلَا يَجْمَعُ شَعْرًا لِرَأْسِهِ، وَلَا ثَوْبًا بِيَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ؛ وَهَذَا ظَهِرُ الْحَدِيثِ، وَإِلَيْهِ مَالَ الدَّاوُدِيُّ وَرَدَّهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، فَإِنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ لِلْمُصَلِّي، سَوَاءٌ فَعَلَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا، وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الثَّوْبَ وَالشَّعْرَ يَسْجُدُ مَعَهُ، أَوْ أَنَّهُ إِذَا رَفَعَ شَعْرَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْأَرْضِ أَشْبَهَ الْمُتَكَبِّرَ اهـ . وَقَالَ الْمَنَاوِيُّ فِي "شَرْحِ الْجَامِعِ": وَالْأَمْرُ بِعَدَمِ كَفِّهِمَا لِلنَّدْبِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالسُّجُودِ عَلَى السَّبْعَةِ لِلْوُجُوبِ، فَالْأَمْرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَيَيْهِ، وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: جَمَعَ الْحَدِيثُ بَعْضًا مِنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَدَبِ تَلْوِيحًا إِلَى إِرَادَةِ الْكُلِّ اهـ . (وَكَرِهَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَأْتَزِرَ فَوْقَ الْقَمِيصِ فِي الصَّلَاةِ، وَرَآهُ مِنَ الْكَفِّ) الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَنَصُّ "الْقُوتِ": وَأَكْرَهُ أَنْ يُؤْتَزَرَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْكَفِّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ، وَرَوَيْنَا عَنْ بَعْضِ أَوْلَادِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الرُّخْصَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ مُحْتَزِمًا بِعِمَامَتِهِ فَوْقَ الْقَمِيصِ. إِلَى هُنَا نَصُّ "الْقُوتِ"، وَتَرَى الْمُصَنِّفَ كَيْفَ غَيَّرَهَا، وَعِبَارَةُ "الْإِقْنَاعِ" لِلْحَنْبَلِيِّ: وَيُكْرَهُ شَدُّ وَسَطِهِ عَلَى الْقَمِيصِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْيَهُودِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الْقَبَاءِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الشَّدُّ بِالْحِيَاصَةِ، وَيُسْتَحَبُّ بِمَا لَا يُشْبِهُ الزُّنَّارَ، كَمَنْدِيلٍ وَمِنْطَقَةٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لِلْعَوْرَةِ، (وَأَمَّا الِاخْتِصَارُ) الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، (فَأَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خَاصِرِهِ) . وَنَصُّ "الْقُوتِ": يَدَهُ، وَنَصُّ "الْعَوَارِفِ": أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ، وَالصَّوَابُ إِفْرَادُ الْيَدِ وَالْخَاصِرَةِ، مَا فَوْقَ الطَّفْطَفَةِ وَالشَّرَاسِيفِ، وَتُسَمَّى شَاكِلَةً أَيْضًا، وَالطَّفْطَفَةُ: أَطْرَافُ الْخَاصِرَةِ، وَالشَّرَاسِيفُ: أَطْرَافُ الضِّلَعِ الَّذِي يُشْرِفُ عَلَى الْبَطْنِ، وَقَدِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذِكْرِ وَجْهٍ وَاحِدٍ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَهُوَ الَّذِي نُقِلَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ . وَقَدْ ذُكِرَتْ فِيهِ أَوْجُهٌ كَثِيرَةٌ؛ مِنْهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَصْرِ، نَقَلَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ، وَهُوَ الْمُسْتَدِقُّ فَوْقَ الْوِرْكِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ الِاتِّكَاءُ عَلَى الْمِخْصَرَةِ، وَهِيَ الْعُصَيَّةُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ، فَقِيلَ: لِأَنَّهُ فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَقِيلَ: الْيَهُودُ، وَقِيلَ: الشَّيْطَانُ أَوْ هُوَ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي كُنْتُ أَسْمَعُهُ مِنْ مَشَايِخِي، ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مَا لَفْظُهُ: "الِاخْتِصَارُ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ". وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالِاخْتِصَارِ ضِدُّ التَّطْوِيلِ بِأَنْ يَخْتَصِرَ السُّورَةَ أَوْ بَقِيَّتَهَا، أَوْ يُخَفِّفَ الصَّلَاةَ بِتَرْكِ الطُّمَأْنِينَةِ، بِأَنْ لَا يَمُدَّ قِيَامَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَتَشَهُّدَهَا، أَوْ بِتَرْكِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي مَحَالِّهَا الْأَرْبَعِ أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى آيَاتِ السَّجْدَةِ، وَيَسْجُدَ فِيهَا أَوْ يَخْتَصِرَ السَّجْدَةَ إِذَا انْتَهَى إِلَيْهَا فِي قِرَاءَتِهِ، وَلَا يَسْجُدَهَا، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا قَدْ فُسِّرَ بِهَا الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ هَذَا اللَّفْظُ . قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي "الْفَائِقِ": وَأَمَّا خَبَرُ: "الْمُتَخَصِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ نُورٌ، فَهُمُ الْمُتَهَجِّدُونَ الَّذِينَ إِذَا تَعِبُوا وَضَعُوا يَدَهُمْ عَلَى خَصْرِهِمْ"، إِذِ الْمُتَخَصِّرُ هُوَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى عَمَلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية