الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

وبما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل ، فالغسل أفضل .

الحادية والعشرون: كان الشيخ محيي الدين ابن عربي - قدس سره - يذهب إلى ما قاله أهل الظاهر، ويؤيد إيجابه، وأنه ليومها، وهذا حاصل ما قاله: طهارة القلب للمعرفة بالله التي تعطيه صلاة الجمعة من حيث ما هو سبحانه واضع لهذه العبادة الخاصة بهذه الصورة، فإنه من أعظم علم الهداية التي هدى الله إليها هذه الأمة خاصة، وذلك أن الله تعالى اصطفى من كل جنس نوعا، ومن كل نوع شخصا، واختاره عناية منه بذلك المختار، أو عناية بالغير بسببه، وقد يختار من الجنس النوعين، والثلاثة، وقد يختار من النوع الشخصين، والثلاثة، والأكثر، فمن وجد نصا متواترا، فليقف عنده، أو كشفا محققا عنده، ومن كان عنده الخبر الواحد الصحيح، فليحكم به إن تعلق حكمه بأفعال الدنيا، وإن كان حكمه في الآخرة، فلا يجعله في عقيدته على التعيين، وليقل: إن كان هذا عن الرسول في نفس الأمر كما وصل إلينا فأنا مؤمن به، وبكل ما هو عن رسول الله، وعن الله مما علمت، وما لم أعلم، فإنه لا ينبغي أن يجعل في العقائد إلا ما يقطع به إن كان من النقل، فما ثبت بالتواتر، وإن كان من العقل، فما ثبت بالدليل العقلي ما لم يقدح فيه نص متواتر، وإن قدح فيه نص متواتر لا يمكن الجمع بينهما اعتقد

[ ص: 250 ]
النص، وترك الدليل، والسبب في ذلك أن الإيمان بالأمور الواردة على لسان الشرع لا يلزم منها أن يكون الأمر الوارد في نفسه على ما يعطيه الإيمان، فيعلم العاقل أن الله قد أراد من المكلف أن يؤمن بما جاء به هذا النص المتواتر الذي أفاد التواتر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن خالف دليل العقل فبقي على علمه من حيث ما هو علم، ويعلم أن الله لم يرد به بوجود هذا النص أن يعلق الإيمان بذلك المعلوم، لا أنه يزول عن علمه، ويؤمن بهذا النص على مراد الله به، فإن أعلمه الحق في كشفه ما هو المراد بذلك الخطاب، وهل هذا الكشف يحرم علينا إظهاره في العامة؛ لما يؤدي إليه من التشويش، فليشكر الله على ما منحه، فهذه مقدمة نافعة في الطريق، ولما اختص الله من الشهور شهر رمضان، وسماه باسمه تعالى، كذلك اختص الله من أيام الأسبوع يوم العروبة، وهو يوم الجمعة، وعرف الأمم أن لله يوما اختصه من هذه السبعة الأيام، وشرفه على سائر أيام الأسبوع، ولهذا يغلط من يفضل بينه وبين يوم عرفة، ويوم عاشوراء، فإن فضل ذلك يرجع إلى مجموع أيام السنة لا إلى أيام الأسبوع، ولهذا قد يكون يوم عرفة يوم الجمعة، ويوم عاشوراء يوم الجمعة،.ويوم الجمعة لا يتبدل؛ لا يكون أبدا يوم السبت ولا غيره من الأيام، ففضل يوم الجمعة ذاتي لعينه، وفضل يوم عرفة، وعاشوراء، وغيره لأمور عرضت إذا وجدت في أي يوم كان من أيام الأسبوع كان الفضل لذلك اليوم لهذه الأحوال والعوارض، فيدخل مفاضلة عرفة وعاشوراء في المفاضلة بين الأسباب العارضة الموجبة للفضل في ذلك النوع، كما أن رمضان إنما فضله على سائر الشهور القمرية لا في الشهور الشمسية، فإن أفضل أيام الشهور الشمسية يوم تكون الشمس في برج شرفها، وقد يأتي شهر رمضان في كل شهور السنة الشمسية فيشرف ذلك الشهر الشمسي على سائر شهور الشمس بكون رمضان كان فيه، وكونه فيه أمر عرض له في سيره، فلا تفاضل يوم الجمعة بيوم عرفة، ولا غيره، ولهذا شرع الغسل فيه لليوم، لا لنفس الصلاة، فإن اتفق أن يغتسل في ذلك اليوم لصلاة الجمعة، فلا خلاف بيننا أنه أفضل بلا شك، وأرفع للخلاف الواقع بين العلماء. اهـ .

التالي السابق


الخدمات العلمية