الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

( وإن حلق رأس محرم بأمره أو بغير أمره  فعلى الحالق الصدقة ، وعلى المحلوق دم ) وقال الشافعي : رحمه الله لا يجب إن كان بغير أمره بأن كان نائما ; لأن من أصله أن الإكراه يخرج المكره من أن يكون مؤاخذا بحكم الفعل والنوم أبلغ منه . وعندنا بسبب النوم والإكراه ينتفي المأثم دون الحكم وقد تقرر سببه ، وهو ما نال من الراحة والزينة [ ص: 36 ] فيلزمه الدم حتما ، بخلاف المضطر حيث يتخير ; لأن الآفة هناك سماوية وهاهنا من العباد ، ثم لا يرجع المحلوق رأسه على الحالق ; لأن الدم [ ص: 37 ] إنما لزمه بما نال من الراحة فصار كالمغرور في حق العقر ، وكذا إذا كان الحالق حلالا  لا يختلف الجواب في حق المحلوق رأسه ، وأما الحالق تلزمه الصدقة في مسألتنا في الوجهين .

وقال الشافعي رحمه الله : لا شيء عليه وعلى هذا الخلاف إذا حلق المحرم رأس حلال   . له أن معنى الارتفاق لا يتحقق بحلق شعر غيره وهو الموجب . ولنا أن إزالة ما ينمو من بدن الإنسان من محظورات الإحرام ; لاستحقاقه الأمان بمنزلة نبات الحرم فلا يفترق الحال بين شعره وشعر غيره إلا أن كمال الجناية في شعره ( فإن أخذ من شارب حال أو قلم أظافيره  أطعم ما شاء ) والوجه فيه ما بينا . ولا يعرى عن نوع ارتفاق ; لأن يتأذى بتفث غيره وإن كان أقل من التأذي بتفث نفسه فيلزمه الطعام ( وإن قص أظافير يديه ورجليه فعليه دم ) ; لأنه من المحظورات لما فيه من قضاء التفث وإزالة ما ينمو من البدن ، فإذا قلمها كلها فهو ارتفاق كامل فيلزمه الدم ، ولا يزاد على دم إن حصل في مجلس واحد ; لأن الجناية من نوع [ ص: 38 ] واحد ، فإن كان في مجالس فكذلك عند محمد رحمه الله ; لأن مبناها على التداخل فأشبه كفارة الفطر إلا إذا تخللت الكفارة لارتفاع الأولى بالتكفير . وعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تجب أربعة دماء إن قلم في كل مجلس يدا أو رجلا ; لأن الغالب فيه معنى العبادة فيتقيد التداخل باتحاد المجلس كما في آي السجدة .

التالي السابق



الخدمات العلمية