الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 236 ] ( ولا يتزوج أمة على حرة ) لقوله صلى الله عليه وسلم { لا تنكح الأمة على الحرة } وهو بإطلاقه حجة على الشافعي رحمه الله في تجويزه ذلك للعبد ، [ ص: 237 ] وعلى مالك في تجويزه ذلك برضا الحرة ، ولأن للرق أثرا في تنصيف النعمة على ما نقرره في كتاب الطلاق إن شاء الله فيثبت به حل المحلية في حالة الانفراد دون حالة الانضمام [ ص: 238 ] ( ويجوز تزويج الحرة عليها ) لقوله صلى الله عليه وسلم { وتنكح الحرة على الأمة } ولأنها من المحللات في جميع الحالات إذ لا منصف في حقها .

التالي السابق


( قوله ولا يتزوج أمة على حرة لقوله صلى الله عليه وسلم { لا تنكح الأمة على الحرة } ) أخرج الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { طلاق العبد اثنتان } الحديث ، إلى أن قال { وتتزوج الحرة على الأمة ، ولا تتزوج الأمة على الحرة } وفيه مظاهر بن أسلم ضعيف . وأخرج الطبري في تفسيره في سورة النساء بسنده إلى الحسن { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرة . قال : وتنكح الحرة على الأمة } . قال : وهذا مرسل الحسن . ورواه عبد الرزاق عن الحسن أيضا مرسلا ، وكذا رواه ابن أبي شيبة عنه . وأخرج عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : " لا تنكح الأمة على الحرة ، وتنكح الحرة على الأمة " . وأخرج عن الحسن وابن المسيب نحوه .

وأخرج ابن أبي شيبة " عن علي رضي الله عنه : لا تنكح الأمة على الحرة " وأخرج عن ابن مسعود نحوه . وأخرج ابن أبي شيبة : حدثنا عبدة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال : " تتزوج الحرة على الأمة ، ولا تتزوج الأمة على الحرة " . وعن مكحول نحوه . فهذه آثار ثابتة عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم تقوي الحديث المرسل لو لم يقل بحجيته فوجب قبوله ، ثم اعتضد باتفاق العلماء على الحكم المذكور وإن اختلفت طرق إضافتهم ، فإن الثلاثة أضافوه إلى مفهوم قوله تعالى { ومن لم يستطع منكم طولا } الآية ، وذلك أن تزوج الأمة على الحرة يكون عند وجود طول الحرة فلا يجوز اتفاقا . وقوله ( وهو حجة على الشافعي في إجازة ذلك للعبد ) يعني حجة جبرا لأنا أقمنا الدليل على جوازه بل وجوب الاحتجاج بالمرسل بعد ثقة رجاله ، ولأنه يرى حجيته إذا اقترن بأقوال الصحابة ، وهنا كذلك فإنه قد ثبت ذلك عن علي وجابر على الإطلاق كما بينا ، وكذا يرى حجيته إذا أفتى به جماعة من أهل العلم وهنا كذلك وهذا كله نص الشافعي في الرسالة فإنه قال : وإن لم يوجد ذلك : يعني تعدد المخرج نظر إلى بعض ما يروى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا له ، فإن وجد ما يوافق ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت هذه دلالة على أنه [ ص: 237 ] لم يرسل إلا عن أصل يصح إن شاء الله ، وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ا هـ .

وبه يخص قوله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم } إذ قد أخرج منه ما قدمنا . وفيه نظر ، فإن إخراج المشركات والمجوسيات بطريق النسخ على ما قالوا والمجوسيات مشركات والناسخ لا يصير العام به ظنيا فلا يخص بعده بخبر واحد أو قياس . وما قيل إنه مخصوص منه الجمع بين الأختين فغلط ، لأن قوله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم } لم يتناول الجمع ليتحقق إخراجه لأنه مما قدم ذكره مع المحرمات ثم قال { وأحل لكم ما وراء ذلكم } أي ما وراء المذكورات فلم يتناوله أصلا ، وإذا كان كذلك والحديث مطلق فيشمل العبد فإخراجه يستدعي ثبتا ولم يثبت إذ إضافة إخراجه إلى تخصيص العلة التي ادعوا أنها مؤثرة لحرمة نكاح الأمة عند طول الحرة بغير العبد لم يثبت له وجه لما علمت أنه بتقدير صحتها يجب استواء الحر والعبد فيها ، لأن المعقول تأثير ذات الرق في المنع عند عدم الضرورة ووجود الطول ( قوله وعلى مالك في تجويزه ذلك برضا الحرة ) مالك رحمه الله يقول بحجية المرسل إذا صح طريقه إلى التابعي ، لكنه علله بإغاظة الحرة بإدخال ناقصة الحال عليها ، فإذا رضيت انتفى ما لأجله المنع فيجوز وهذا استنباط معنى يخصص النص ، فإن لم يكن منصوصا ولا مومى إليه كان تقديما للقياس على لفظ النص وهو ممنوع عندنا بل العبرة في المنصوص عليه لعين النص لا لمعناه ، ثم بتقدير جواز ذلك فتعليله بما ظهر أثره وهو تنصيف النعمة بالرق الذي ظهر أثره في الطلاق والعدة والقسم أولى ، فيكون المنع باعتبار التعليل به للتنصيف في أحوال نكاح الأمة .

بيانه أن الحل الثابت في النكاح نعمة ، وتبين أن الرق منصف ما ذكرنا من متعلقات النكاح لما لم يمكن تنصيف نفس الحل ، على أنه لو قيل بل نصف الحل أيضا وهو تنصيف القسم إذ يحرم عليه الاستمتاع بها في غير ليلتها لأمكن ، فيظهر أن حكم هذا الحديث لإرادة تنصيف الأحوال جريا على ما استقر منوطا بالرق ، وذلك أن لنكاحها حالتي انضمام إلى نكاح حرة سابقة وانفراد عنه ، فالتنصيف إذا كان إمكان الحالتين قائما بتصحيح نكاحها في حالة دون حالة ، وتصحيح نكاح الحرة في الحالتين حالة الانفراد [ ص: 238 ] والانضمام إلى أمة سابقة ثم عين الشرع للمنع حالة الانضمام إلى الحرة لما في اعتبار نقصها عن الحرة في كثير من الأحكام من مناسبة ذلك . ولا يبعد أن لزيادة غيظ الحرة زيادة معتبرة دخلا أيضا ، أما أصل غيظها فلا أثر له فإنه يحصل بإدخال الحرة أيضا على الأمة . وعلى هذا التقرير يندفع من الأصل ما يورد من أن الانضمام يصدق على ما إذا أدخل الحرة أيضا على الأمة فيلزم أن يفسد نكاح الأمة بإدخال الحرة عليها .

ويجاب بأن الانضمام يقوم بالمتأخر لأنه المنضم إلى غيره ثم يتعلق بالمتقدم . ومنهم من جعل منع إدخال الأمة بالنص على خلاف القياس . وتعليل الكرخي أن بنكاح الحرة يثبت لنسله حق الحرية ، وحق الحرية لا يجوز إبطاله بعد ثبوته ، فأما بمجرد طول الحرة قبل نكاحها فلا يثبت للنسل ذلك . هذا وأما حالة المقارنة وهو أن يتزوج حرة وأمة في عقدة فيجتمع في الأمة محرم ومبيح فتحرم . واعلم أن التعليل في الأصل إنما هو للقياس ، ويستدعى أصلا يلحق به منصوصا أو مجمعا عليه فيمكن جعله هنا تنصيف الطلاق والعدة




الخدمات العلمية