الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وإذا كانت المرأة لا تحيض من صغر أو كبر فأراد أن يطلقها ثلاثا للسنة طلقها واحدة ، فإذا مضى شهر طلقها [ ص: 475 ] أخرى ، فإذا مضى شهر طلقها أخرى ) ; لأن الشهر في حقها قائم مقام الحيض ، قال الله تعالى { واللائي يئسن من المحيض } إلى أن قال { واللائي لم يحضن } والإقامة في حق الحيض خاصة حتى يقدر الاستبراء في حقها بالشهر [ ص: 476 ] وهو بالحيض لا بالطهر ، ثم إن كان الطلاق في أول الشهر تعتبر الشهور بالأهلة ، وإن كان في وسطه فبالأيام في حق التفريق ، وفي حق العدة كذلك عند أبي حنيفة وعندهما يكمل الأول بالأخير والمتوسطان بالأهلة وهي مسألة الإجازات . قال ( ويجوز أن يطلقها ولا يفصل بين وطئها وطلاقها بزمان ) [ ص: 477 ] وقال زفر : يفصل بينهما بشهر لقيامه مقام الحيض ; ولأن بالجماع تفتر الرغبة ، وإنما تتجدد بزمان وهو الشهر : ولنا أنه لا يتوهم الحبل فيها ، والكراهية في ذوات الحيض باعتباره ; لأن عند ذلك يشتبه وجه العدة ، [ ص: 478 ] والرغبة وإن كانت تفتر من الوجه الذي ذكر لكن تكثر من وجه آخر ; لأنه يرغب في وطء غير معلق فرارا عن مؤن الولد فكان الزمان زمان رغبة وصار كزمان الحبل .

التالي السابق


( قوله وإذا كانت المرأة لا تحيض من صغر ) أي بأن لم تبلغ سن الحيض وهو تسع على المختار ، وقيل ثمان وسبع ( أو كبر ) بأن كانت المرأة آيسة بنت خمس وخمسين على الأظهر أو لا لهما بأن بلغت بالسن ولم تر دما أصلا ( فأراد أن يطلقها طلاق السنة طلقها واحدة فإذا مضى شهر طلقها [ ص: 475 ] أخرى ، فإذا مضى شهر طلقها أخرى ، قال الله تعالى { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } ) أي لم يحضن بعد فيما مضى ; لأن لم تقلب معنى المضارع إلى المضي فأقام الأشهر مقام الحيض حيث نقل من الحيض إليها . وأيضا نص على أن الأشهر عدة بقوله تعالى { فعدتهن ثلاثة أشهر } والعدة في ذوات الحيض ليس إلا الحيض لا المجموع ، فلزم بالضرورة كون الأشهر بدل الحيض ورشح بالاستبراء فإنه في ذوات الحيض بحيضة وجعل فيمن لا تحيض بشهر ، ويجوز كون الإقامة باعتباره مع لازمه من الطهر المضاف إلى كل حيضة .

ورجح بأنه لو لم يكن كذلك اكتفى بعشرة أيام ; لأنها أكثر الحيض المجعول عدة ، والحيض المجعول عدة هو الذي يفصل بينه وبين مثله طهر صحيح بحيث تكون عدتهما غالبا شهرا ، وفرق بين قولنا هو بدل عن حيض يتخللها أطهار وقولنا بدل عن الحيض والأطهار المتخللة ، فالطهر ضرورة تحققها لا من مسماه ، وما ألزم به من أنه لو كان مقام الحيض والطهر جميعا لزم منع الطلاق في الشهر الثاني ; لأنه في الحيض حكما مدفوع بأنه مقامه في أنه عدة فقط لا في ذاته وذات الشهر طهر ولا في حكم آخر ، ألا يرى أن الطلاق عقيب الجماع في طهر ذوات الأقراء حرام وفي الآيسة والصغيرة لا يحرم ، فكذا الطلاق في الشهر الثاني ، وهذا [ ص: 476 ] الخلاف قليل الجدوى لا ثمرة له في الفروع ( قوله إن كان الطلاق وقع في أول الشهر ) هو أن يقع في أول ليلة رئي فيها الهلال ( تعتبر الشهور بالأهلة ) اتفاقا في التفريق والعدة ( وإن كان وقع في وسطه فبالأيام في التفريق ) أي في تفريق الطلقات بالاتفاق فلا تطلق الثانية في اليوم الموفي ثلاثين من الطلاق الأول بل في الحادي والثلاثين فما بعده ; لأن كل شهر معتبر بثلاثين يوما ، فلو طلقها في اليوم الموفي ثلاثين كان جامعا بين طلاقين في شهر واحد ( وفي حق العدة كذلك عند أبي حنيفة ) تعتبر بالأيام ، وهو رواية عن أبي يوسف فلا تنقضي عدتها إلا بمضي تسعين يوما ( وعندهما يكمل الأول بالأخير والشهران المتوسطان بالأهلة ) وقوله في الفتاوى الصغرى : تعتبر في العدة بالأيام بالإجماع يخالف نقل الخلاف ( قوله وهي مسألة الإجارات ) يعني إذا استأجر ثلاثة أشهر في رأس الشهر اعتبرت بالأهلة اتفاقا ناقصة كانت أو كاملة وإن استأجرها في أثناء شهر تعتبر الأشهر الثلاثة بالأيام عنده ، وعندهما يكمل الشهر الأول بالأخير وفيما بين ذلك بالأهلة . وقيل الفتوى على قولهما ; لأنه أسهل وليس بشيء .

ووجه بأن الأصل في الأشهر الأهلة فلا يعدل عنه إلا لضرورة ، وهي مندفعة بتكميل الأول بالأخير . ويمكن أن يقول ذلك في الأشهر العربية وهي المسماة بالأسماء ، وهو لم يستأجر مدة جماديين ورجب ثلاثة أشهر مثلا وليس يلزم من ذلك الأهلة ، وحينئذ فلا بد من تسعين ; لأنه لما يلزم من مسمى اللفظ الأهلة صار معناه ثلاثة أشهر من هذا اليوم فلا ينقضي هذا الشهر حتى يدخل من الآخر أيام ثم يبتدئ الآخر من حين انتهى الأول فيلزم كذلك في الثلاثة ( قوله ويجوز أن يطلقها ) أي يطلق التي لا تحيض من صغر أو كبر ( ولا يفصل بين وطئها وطلاقها بزمان ) [ ص: 477 ] وبه قالت الأئمة الثلاثة .

وقال زفر : يفصل بين وطئها وطلاقها بشهر . وفي المحيط قال الحلواني : هذا في صغيرة لا يرجى حبلها ، أما فيمن يرجى فالأفضل له أن يفصل بين وطئها وطلاقها بشهر كما قال زفر . ولا يخفى أن قول زفر ليس هو أفضلية الفصل بل لزوم الفصل ; لأن الشهر قائم مقام الحيض في التي تحيض وفيها يجب الفصل بحيضة ; ففي من لا تحيض يجب الفصل بما أقيم مقامه وهو الشهر ; ولأن بالجماع تفتر الرغبة وإنما تتجدد بزمان ( قوله ولنا أنه لا يتوهم الحبل فيها ) أي في التي لا تحيض من صغر أو كبر ( والكراهة ) أي كراهة الطلاق في الطهر الذي جامع فيه في ذوات الحيض لتوهم الحبل فيشتبه وجه العدة أنها بالحيض أو بالوضع ، وهذا الوجه يقتضي في التي لا تحيض لا لصغر ولا لكبر بل اتفق امتداد طهرها متصلا بالصغر ، وفي التي لم تبلغ بعد وقد وصلت إلى سن البلوغ أن لا يجوز تعقيب وطئها بطلاقها لتوهم الحبل في كل منهما . ولما كان ظاهرا أن يقال قد عللتم منع الطلاق في الطهر الذي جامع فيه آنفا بفتور الرغبة فلم يقع الطلاق دليل الحاجة فغاية الأمر أن الطلاق في ذلك الطهر ممنوع من وجهين : لاشتباه العدة ، ولعدم المبيح وهو الطلاق مع عدم دليل الرغبة . وفي الصغيرة والآيسة إن فقد الأول فقد وجد الثاني فيمتنع . أجاب بقوله والرغبة إلخ . وحاصله منع عدم الرغبة مطلقا بجماع هذه ، بل انتفى سبب من أسبابها وهو لا يستلزم عدمه مطلقا إلا لو لم يكن من وجه آخر وقد وجد وهو كونه وطئا غير معلق فرارا عن مؤن الولد فكان الزمان زمان رغبة في الوطء وصار كزمان الحبل .

وعلى هذا التقرير لا معنى للسؤال القائل لما تعارضت جهة الرغبة مع جهة الفتور تساقطتا فبقي الأصل هو حظر الطلاق ، وتكلف جوابه ; لأن حاصل الوجه أن للرغبة سببين : عدم الوطء مدة تتجدد الرغبة عند آخرها عادة ، وكون الوطء غير معلق ، فعدم المدة فقط بالوطء القريب عدم أحد السببين مع قيام الآخر وذلك لا يوجب عدم الرغبة . هذا ثم يمكن أن يقال : ينبغي أن يقتصر في الجواب على منع عدم الرغبة ويترك جميع ما قيل من التعليل بعد توهم الحبل وادعاء أن الكراهة في ذوات الحيض باعتباره فإنه تعليل بما لا أثر له ; لأنها عقيب الطلاق متربصة على كل حال إلى أن ترى [ ص: 478 ] الدم ثلاث مرات أو لا تراه فتستمر في العدة إلى أن يظهر حملها وتضع أو يظهر أنه امتد طهرها بأن لم يظهر حملها فتصبر لأمر الله ، فهذا الحال لا يختلف بوطئها في الطهر الذي فيه الطلاق وعدم وطئها فيه ، فظهر أن التعليل باشتباه وجه العدة لا أثر له ، إذ لم يبق فرق بين اعتدادها إذا جومعت في الطهر وعدمه إلا بتجويز أنها حملت أولا وهذا لا يختلف معه الحال التي ذكرنا من اعتدادها . لا يقال : إنه على أصل الشافعي من أن الحامل تحيض يصح التعليل به ; لأنها بعد الانفصال من الوطء يجوز الحبل وإن رأت الدم فلا يجزم بعدم رؤيته ثلاثا إلا إذا مضت مدة يظهر في مثلها الحبل ولم يظهر بل وعلى أصلنا ; لأنا لا نمنع من رؤية الحامل الدم ، بل نقول : إن ما تراه فهو استحاضة ، فمع تجويز الحبل لا يتيقن بأن ما رأته حيض أو استحاضة وهي حامل إلى أن تذهب مدة لو كانت حاملا فيها لظهر الحبل ; لأنا نقول : هذا بعينه جار فيما لو وطئت في الطهر الذي يليه طهر الطلاق ، فلو اعتبر مانعا منع الوطء فيه أيضا خصوصا في آخره . والحق أن كراهة الطلاق عقيب الجماع في ذات الحيض لعروض الندم بظهور الحبل لمكان الولد وشتات حاله وحال أمه .




الخدمات العلمية