الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 402 ] ( وإن تزوجت بإذن مولاها ثم أعتقت فلها الخيار حرا كان زوجها أو عبدا ) لقوله عليه الصلاة والسلام لبريرة حين عتقت { ملكت بضعك فاختاري } فالتعليل بملك البضع صدر مطلقا فينتظم الفصلين ، والشافعي يخالفنا فيما إذا كان زوجها حرا وهو محجوج به ، [ ص: 403 ] ولأنه يزداد الملك عليها عند العتق فيملك الزوج بعده ثلاث تطليقات فتملك رفع أصل العقد دفعا للزيادة [ ص: 404 ] ( وكذلك ) ( المكاتبة ) يعني إذا تزوجت بإذن مولاها ثم عتقت ، وقال زفر : لا خيار لها لأن العقد نفذ عليها برضاها وكان المهر لها فلا معنى لإثبات الخيار ، بخلاف الأمة لأنه لا يعتبر رضاها . ولنا أن العلة ازدياد الملك وقد وجدناها في المكاتبة لأن عدتها قرءان وطلاقها ثنتان .

التالي السابق


( قوله وإذا تزوجت أمة بإذن مولاها ) أو زوجها هو برضاها أو بغير رضاها ( ثم أعتقت فلها الخيار حرا كان زوجها أو عبدا ) أما إذا زوجت نفسها بغير إذنه ثم أعتقها فسيأتي أنه ينفذ النكاح بالإعتاق ولا خيار لها ( والشافعي يخالفنا فيما إذا كان زوجها حرا ) فلا خيار لها وهو قول مالك ، ومنشأ الخلاف في ترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين في زوج بريرة أكان حين أعتقت حرا أو عبدا ؟ وفي ترجيح المعنى المعلل به . أما الأول فثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم خيرها وكان زوجها عبدا } رواها القاسم ، ولم تختلف الروايات عن ابن عباس أنه كان عبدا ، وثبت في الصحيحين أنه كان حرا حين أعتقت ، وهكذا روي في السنن الأربعة ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .

والترجيح يقتضي في رواية عائشة ترجيح أنه كان حرا ، وذلك أن رواة هذا الحديث عن عائشة ثلاثة الأسود وعروة والقاسم ; فأما الأسود فلم يختلف فيه عن عائشة أنه كان حرا ، وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان إحداهما أنه كان حرا والأخرى أنه كان عبدا ، وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنه أيضا روايتان صحيحتان إحداهما أنه كان حرا والأخرى الشك . ووجه آخر من الترجيح مطلقا لا يختص بالمروي فيه عن عائشة وهو أن رواية { خيرها صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عبدا } يحتمل كون الواو فيه للعطف لا للحال .

وحاصله أنه إخبار بالأمرين ، وكونه اتصف بالرق لا يستلزم كون ذلك كان حال عتقها هذا بعد احتمال أن يراد بالعبد العتيق مجازا باعتبار ما كان وهو شائع في العرف . والذي لا مرد له من الترجيح أن رواية كان حرا أنص من كان عبدا لما قلنا ، وتثبت زيادة فهي أولى وأيضا فهي مثبتة وتلك نافية للعلم بأنه كان حالته الأصلية الرق والنافي هو المبقيها والمثبت هو المخرج عنها . وأما المعنى المعلل به فقد اختلف فيه فالشافعي وغيره عينوه بعدم الكفاءة وهو ضعيف فإن ثبوتها إنما يعتبر في الابتداء [ ص: 403 ] لا في البقاء ; ألا ترى أنه لو أعسر الزوج في البقاء أو انتفى نسبه لا يثبت لها الخيار . وأصحابنا تارة يعللونه بزيادة الملك عليها ; لأنها كانت بحيث تخلص بثنتين فازداد الملك عليها ، وهذا من رد المختلف إلى المختلف فإن الطلاق عند الشافعي بالرجال لا بالنساء ، وكأنه اعتماد على إثبات الأصل المختلف فيه .

وأورد أنه دفع ضرر بإثبات ضرر وهو رفع أصل العقد . وأجيب بأنها لا تتمكن إلا به مع أنه رضي به حيث تزوج أمة مع علمه بأنها قد تعتق ، ثم إنه استضعف بأن عدم ملكه الثالثة لا يستلزم نقصان مملوكيتها ولا ملكه الثالثة يستلزم طولها ، فقد تطول مملوكيتها مع ملكه ثنتين بأن لا يطلقها أصلا إلى الموت فلا ضابط لذلك ; وتارة بعلة منصوصة وهي ملكها بضعها . روى أبو بكر الرازي بسنده إلى { رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لها حين أعتقت ملكت بضعك فاختاري } وروى ابن سعد في الطبقات : أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن داود بن أبي عبيد عن عامر الشعبي { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة لما أعتقت قد عتق بضعك معك فاختاري } وهذا مرسل وهو حجة .

وأخرج الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها { أنه صلى الله عليه وسلم قال لبريرة لما عتقت اذهبي ، فقد عتق بضعك معك } وليس لقوله ذلك فائدة فيما يظهر إلا التنبيه على ثبوت اختيارها نفسها ، وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال لها { ملكت نفسك فاختاري } فقد تظافرت هذه الطرق على هذه العلة ، وإذن فالواجب أن تكون هي المعتبرة ، ويكون ما ذكروه من التعليل بزيادة الملك إظهار حكمة هذه العلة المنصوصة ، ومقتضاه ثبوت الخيار لها فيما إذا كان زوجها حرا أو عبدا وفيما إذا كانت مكاتبة عتقت بأداء الكتابة بعدما زوجها سيدها برضاها أو غيره وخالف زفر في المكاتبة وهي المسألة التي تلي هذه في الكتاب ، واستدل بأن العقد نفذ برضاها فلا خيار لها ، ولو صح لزم أن سيد الأمة لو زوجها برضاها ومشاورتها في ذلك أن لا خيار لها وليس بصحيح .

والأوجه في استدلاله أن النص لم يتناولها وهو قوله عليه الصلاة والسلام { ملكت بضعك فاختاري } إذ المكاتبة كانت مالكة لبضعها قبل العتق . وأجيب بالمنع ; لأن ملك البضع تابع لملك نفسها ولم تكن مالكة نفسها وإنما كانت مالكة لأكسابها . ولقائل أن يقول إن قوله صلى الله عليه وسلم { ملكت بضعك } ليس معناه إلا منافع بضعك إذ لا يمكن ملكها لعينه وملكها لأكسابها تبع لملكها لمنافع نفسها وأعضائها فيلزم كونها مالكة لبضعها بالمعنى المراد قبل العتق فلم يتناولها النص ، وترجح قول زفر . وفي المبسوط : لو كانت حرة في أصل العقد ثم صارت أمة بأن [ ص: 404 ] ارتدت امرأة مع زوجها ولحقا بدار الحرب معا ثم سبيا معا ثم عتقت فلها الخيار عند أبي يوسف ; لأنها بالعتق ملكت نفسها وازداد ملك الزوج عليها .

وقال محمد : لا خيار لها ; لأن بأصل العقد ثبت عليها ملك كامل برضاها ، ثم انتقص الملك بعارض الرق فإذا عتقت عاد الملك إلى أصله كما كان فلا يثبت الخيار لها .




الخدمات العلمية