الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولبن الفحل يتعلق به التحريم ، وهو أن ترضع المرأة صبية فتحرم هذه الصبية على زوجها وعلى آبائه وأبنائه ويصير الزوج الذي نزل لها منه اللبن أبا للمرضعة ) وفي أحد قولي الشافعي : لبن الفحل لا يحرم [ ص: 449 ] لأن الحرمة لشبهة البعضية واللبن بعضها لا بعضه . ولنا ما روينا ، والحرمة بالنسب من الجانبين فكذا بالرضاع . وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها : { ليلج عليك أفلح فإنه عمك من الرضاعة } [ ص: 450 ] ولأنه سبب لنزول اللبن منها فيضاف إليه في موضع الحرمة احتياطا ( ويجوز أن يتزوج الرجل بأخت أخيه من الرضاع ) ; لأنه يجوز أن يتزوج بأخت أخيه من النسب وذلك مثل الأخ من الأب إذا كانت له أخت من أمه جاز لأخيه من أبيه أن يتزوجها . .

التالي السابق


( قوله ولبن الفحل ) هو من إضافة الشيء إلى سببه ( يتعلق به التحريم ) يعني اللبن الذي نزل من المرأة بسبب ولادتها من رجل زوج أو سيد يتعلق به التحريم بين من أرضعته وبين ذلك الرجل بأن يكون أبا للرضيع ، فلا تحل له إن كانت صبية ; لأنه أبوها ولا لإخوته ; لأنهم أعمامها ولا لآبائه ; لأنهم أجدادها ولا لأعمامه ; لأنهم أعمام الأب ولا لأولاده وإن كانوا من غير المرضعة ; لأنهم إخوتها لأبيها ولا لأبناء أولاده ; لأن الصبية عمتهم ، وإذا ثبتت هذه الحرمة من زوج المرضعة فمنها أولى فلا تتزوج أباها ; لأنه جدها لأمها ولا أخاها ; لأنه خالها ولا عمها ; لأنها بنت بنت أخيه ولا خالها ; لأنها بنت بنت أخته ولا أبناءها وإن كانوا من غير صاحب اللبن ; لأنهم إخوتها لأمها . ولو كان لرجل زوجتان أرضعت كل منهما بنتا لا يحل لرجل أن يجمع بينهما ; لأنهما أختان من الرضاع لأب ، بخلاف ما لو تزوجت برجل وهي ذات لبن لآخر قبله فأرضعت صبية فإنها ربيبة للثاني وبنت للأول فيحل تزوجها بأبناء الثاني ، ولو كان المرضع صبيا حل له تزوجه ببناته هذا ما لم تلد من الثاني ، فإذا ولدت من الثاني فإن أرضعت رضيعا فهو ولد للثاني ، وإن حبلت من الثاني وهي ذات لبن من الأول فما لم تلد ، اللبن من الأول والرضيع به ولد له عند أبي حنيفة رضي الله عنه [ ص: 449 ] تثبت منه الحرمة خاصة ، وعند محمد رحمه الله ولد لهما فتثبت الحرمة من الزوجين . وقال أبو يوسف : إن علم أن اللبن من الثاني بأمارة كزيادة فهو ولد الثاني ، وإلا فهو ولد الأول .

وعنه : إن كان اللبن من الأول غالبا فهو له ، وإن كان من الثاني غالبا فهو للثاني ، وإن استويا فلهما ، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي رضي الله عنه في الجديد ، وقد حكى الخلاف هكذا : إن زاد اللبن بالحبل فهو ابنهما عندهما وابن الأول عند أبي حنيفة رضي الله عنه ، وكونه ابنهما بزيادة اللبن مطلقا أنسب بقول محمد رحمه الله فيما إذا اختلط لبن امرأتين كما سيعلم فيها ، بخلاف ما لو ولدت للزوج فنزل لها لبن فأرضعت به ثم جف لبنها ثم در لها فأرضعت به صبية ، فإن لولد زوج المرضعة من غيرها التزوج بهذه الصبية ; لأن هذا ليس لبن الفحل ليكون هو أباها ، كما لو لم تلد من الزوج أصلا ونزل لها لبن فإنه لا يثبت بإرضاعها تحريم بين ابن زوجها ومن أرضعته ; لأنها ليست بنته ; لأن نسبته إليه بسبب الولادة منه ، فإذا انتفت انتفت النسبة فكان كلبن البكر ، ولبن الزنا كالحلال فإذا أرضعت به بنتا حرمت على الزاني وآبائه وأبنائه وأبناء أبنائهم وإن سفلوا .

وفي التجنيس : من علامة أجناس الناطفي عن الشيخ أبي عبد الله الجرجاني كان يقول في الدرس : لا يجوز للزاني أن يتزوج بالصبية المرضعة ولا لأبيه ولا لأجداده ولا لأحد من أولاده وأولادهم ، ولعم الزاني أن يتزوج بها ، كما يجوز له أن يتزوج بالصبية التي ولدت من الزاني ; لأنه لم يثبت نسبها من الزاني حتى يظهر فيها حكم القرابة ، والتحريم على آباء الزاني وأولاده لاعتبار الجزئية والبعضية ولا جزئية بينهما وبين العم ، وإذا ثبت هذا في حق المتولدة من الزنا فكذا في حق المرضعة بلبن الزنا . قال في الخلاصة : وكذا لو لم تحبل من الزنا وأرضعت لا بلبن الزاني تحرم على الزاني كما تحرم بنتها عليه من النسب . وذكر الوبري أن الحرمة تثبت من جهة الأم خاصة ما لم يثبت النسب حينئذ تثبت من الأب ، وكذا ذكر الإسبيجابي وصاحب الينابيع ، وهو أوجه ; لأن الحرمة من الزنا للبعضية وذلك في الولد نفسه ; لأنه مخلوق من مائه دون اللبن ، إذ ليس اللبن كائنا عن منيه ; لأنه فرع التغذي بخلاف الولد ، والتغذي لا يقع إلا بما يدخل من أعلى المعدة لا من أسفل البدن كالحقنة فلا إنبات فلا حرمة ، بخلاف ثابت النسب ; لأن النص وهو قوله صلى الله عليه وسلم { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب } أثبت الحرمة منه ، وبه يستدل على إبطال قول ضعيف للشافعي أنه لا تثبت الحرمة من الزوج .

ونقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم ; لأنه لا جزئية بين الرجل وبين من أرضعته زوجته ، ولأنه لو نزل للرجل لبن فارتضعته صغيرة حلت له فكيف تحرم بلبن هو سبب بعيد فيه .

ولنا النظر المذكور ، وما روي عن [ ص: 450 ] عائشة رضي الله عنها في الصحيحين { أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي بعدما نزل الحجاب وقلت : والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني وإنما أرضعتني امرأة أبي القعيس ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته ، فقال : ائذني له فإنه عمك تربت يداك } وفي رواية { تربت يمينك } إلى غير ذلك من الأحاديث الشاهدة بالحكم المذكور بحيث يتضاءل معها ذلك المعقول .

على أنه قد قيل إنه لا يتغذى الولد به ، وأما لبن الرجل فسيذكره المصنف رحمه الله ، وإذا ترجح عدم حرمة الرضيعة بلبن الزاني على الزاني كما ذكرنا فعدم حرمتها على من ليس اللبن منه أولى ، بخلاف ما في الخلاصة ، ولأنه يخالف المسطور في الكتب المشهورة إذ يقتضي تحريم بنت المرضعة بلبن غير الزوج على الزوج بطريق أولى ، وتقدم البحث في دلالة حديث { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب } على حرمة الربيبة من الرضاع ( قوله : ولأنه سبب لنزول اللبن منها فتضاف الحرمة إليه احتياطا ) كالمصاهرة ; وأنت علمت الفرق بل حقيقة الحال أن البعضية تثبت بين المرضعة والرضيع فأثبتت حرمة الأبنية ثم انتشرت لوازم تحريم الولد . .




الخدمات العلمية