الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولا بأس بأن يأكل المحرم لحم صيد اصطاده حلال وذبحه إذا لم يدل المحرم عليه ، ولا أمره بصيده ) خلافا لمالك رحمه الله فيما إذا اصطاده ; لأجل المحرم . [ ص: 93 ] له قوله صلى الله عليه وسلم { لا بأس بأكل المحرم لحم صيد ما لم يصده أو يصد له } ولنا ما روي { أن الصحابة رضي الله عنهم تذاكروا لحم الصيد في حق المحرم ، فقال صلى الله عليه وسلم لا بأس به } واللام فيما روي لام تمليك فيحمل على أن يهدي إليه الصيد دون اللحم ، أو معناه أن يصاد بأمره . ثم شرط عدم الدلالة ، وهذا تنصيص على أن الدلالة محرمة ، [ ص: 94 ] قالوا : فيه روايتان . ووجه الحرمة حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه وقد ذكرناه .

التالي السابق


( قوله : خلافا لمالك فيما إذا اصطاده لأجل المحرم ) يعني بغير أمره ، [ ص: 93 ] أما إذا اصطاد الحلال لمحرم صيدا بأمره اختلف فيه عندنا ، فذكر الطحاوي تحريمه على المحرم . وقال الجرجاني : لا يحرم . قال القدوري : هذا غلط واعتمد على رواية الطحاوي . ( قوله : له قوله عليه الصلاة والسلام ) الحديث على ما في أبي داود والترمذي والنسائي عن جابر { لحم الصيد حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم } هكذا بالألف في يصاد ، فعارضه المصنف ثم أوله دفعا للمعارضة .

أما المعارضة فيما روى محمد بن الحسن : أخبرنا أبو حنيفة عن محمد بن المنكدر عن عثمان بن محمد عن طلحة بن عبيد الله قال : { تذاكرنا لحم الصيد يأكله المحرم والنبي صلى الله عليه وسلم نائم ، فارتفعت أصواتنا فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : فيم تتنازعون ؟ فقلنا : في لحم الصيد أيأكله المحرم ؟ فأمرنا بأكله } أخرجه في الآثار .

وروى الحافظ أبو عبد الله الحسين بن خسرو البلخي في مسند أبي حنيفة عن أبي حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده الزبير بن العوام قال : { كنا نحمل الصيد صفيفا وكنا نتزوده ونأكله ونحن محرمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم } واختصره مالك في موطئه . وأما التأويل فبوجهين ، كون اللام للملك والمعنى أن يصطاد ويجعل له فيكون تمليك عين الصيد من المحرم ، وهو ممتنع أن يتملكه فيأكل من لحمه ، والحمل على أن المراد أن يصاد بأمره ; وهذا لأن الغالب في عمل الإنسان لغيره أن يكون بطلب منه فليكن محمله هذا دفعا للمعارضة . وقد يقال : القواعد تقتضي أن لا يحكم هنا بالمعارضة والترجيح ; لأن قول طلحة [ ص: 94 ] فأمرنا بأكله " مقيد عندنا بما إذا لم يدله المحرم ولا أمره بقتله على ما هو المختار للمصنف إعمالا لحديث أبي قتادة ، فيجب تخصيصه بما إذا لم يصد للمحرم بالحديث الآخر لدخول الظنية في دلالته .

وحديث الزبير حاصله نقل وقائع أحوال لا عموم لها ، فيجوز كون ما كانوا يحملونه من لحوم الصيد للتزود مما لم يصد لأجل المحرمين ، بل هو الظاهر ; لأنهم يتزودونه من الحضر ظاهرا ، والإحرام بعد الخروج إلى الميقات ، فالأولى به الاستدلال على أصل المطلوب بحديث أبي قتادة على وجه المعارضة على ما في الصحيحين ، فإنهم لما سألوه عليه الصلاة والسلام لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم لا ، فقال صلى الله عليه وسلم { أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها ؟ قالوا لا ، قال : فكلوا إذا } فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه في سلك ما يسأل عنه منها في التفحص عن الموانع ليجيب بالحكم عند خلوه عنها ، وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد للمحرم مانعا فيعارض حديث جابر ويقدم عليه لقوة ثبوته ، إذ هو في الصحيحين وغيرهما من الكتب الستة ، بخلاف ذلك ، بل قيل في حديث جابر لحم الصيد إلخ انقطاع ; لأن المطلب بن حنطب لم يسمع من جابر عند غير واحد ، وكذا في رجاله من فيه لين . وبعد ثبوت ما ذهبنا إليه بما ذكرنا يقوم دليل على ما ذكره المصنف من التأويل هذا .

ويعارض الكل حديث الصعب بن جثامة في مسلم { أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم لحم حمار ، وفي لفظ : رجل حمار ، وفي لفظ : عجز حمار ، وفي لفظ : شق حمار فرده عليه ، فلما رأى ما في وجهه قال : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم } فإنه يقتضي حرمة أكل المحرم لحم الصيد مطلقا سواء صيد له أو بأمره أو لا ، وهو مذهب نقل عن جماعة من السلف منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ومذهبنا مذهب عمر وأبي هريرة وطلحة بن عبيد الله وعائشة رضي الله عنهم ، أخرج عنهم ذلك الطحاوي رحمه الله . وقول الشافعي رحمه الله حديث مالك وهو أنه أهدى له حمارا أثبت من حديث من قال : إنه أهدى له من لحم حمار : يعني فيكون رده امتناع تملك المحرم الصيد منع بأن الروايات كلها على ما ذكرنا أول الحديث تدل على البعضية . ولا تعارض بين رجل حمار وعجزه وشقه على ما لا يخفى ، إذ يندفع بإرادة رجل معها الفخذ وبعض جانب الذبيحة فوجب حمل رواية أهدى حمارا على أنه من إطلاق اسم الكل على البعض لما ذكرنا ولتعينه لامتناع عكسه ، إذ إطلاق الرجل على كل الحيوان غير معهود ، ولا يطلق على زيد أصبع ونحوه ; لأنه غير جائز لما عرف من أن شرط إطلاق اسم البعض على الكل التلازم كالرقبة على الإنسان والرأس فإنه لا إنسان دونهما ، بخلاف نحو الرجل والظفر . وأما إطلاق العين على الربيئة فليس من حيث هو إنسان بل من حيث هو رقيب ، وهو من هذه الحيثية لا يتحقق بلا عين على ما عرف في التحقيقات ، أو هو أحد معاني المشترك اللفظي كما عده لأكثر منها .

ثم إن في هذا الحمل ترجيحا للأكثر أو نحكم بغلط تلك الرواية بناء على أن الراوي رجع عنها تبينا لغلطه . قال الحميدي : كان سفيان يقول في الحديث : { أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحشي } ، وربما قال : يقطر دما ، وربما لم يقل ذلك ، وكان فيما [ ص: 95 ] خلا : قال حمار وحشي ، ثم صار إلى لحم حتى مات . وهذا يدل على رجوعه وثباته على ما رجع إليه ، والظاهر أنه لتبينه غلطه أولا . قال الشافعي رحمه الله : وإن كان أهدى له لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه . ا هـ .

فإن قيل : إن التعليل ما وقع إلا بالإحرام ، فلو كان كما ذكره الشافعي رحمه الله لقال بأنك صدته لأجلي . قلنا : كلام الشافعي رحمه الله يتضمن ذلك . يعني علم أنه قد صيد لأجله وهو محرم فرده عليه معللا بالإحرام بسبب أنه يمنع من أكل ما صيد للمحرم ، وبه يقع الجمع بين حديث الصعب وحديثي أبي قتادة وجابر السابق على رأي من يقول : يحرم على المحرم ما صيد لأجله .

أما على رأينا وهو إباحته بغير هذا الشرط فلا يقع الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة ، فإنا قلنا : إنه يفيد عدم اشتراط أن لا يصاد ; لأجله على ما ذكرنا ، فإن حمل حديث الصعب على أنه علم أنه صيد ; لأجله تعارضا فإنما يصار إلى الترجيح فيترجح حديث أبي قتادة بعدم اضطرابه أصلا ، بخلاف حديث الصعب فإنه قال في بعض رواياته : { إنه عليه الصلاة والسلام أكل منه } . رواه يحيى بن سعيد عن جعفر عن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه { أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عجز حمار وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم } وما قيل هذه رواية منكرة ، فإن في جميع الروايات أنه لم يأكل منها إلا في هذه الرواية ، أحسن منه أن يجمع بعد ثبوت صحة هذه الرواية بأن الذي تعرضت له تلك الروايات ليس سوى أنه رده ، وعلل بالإحرام ، ثم سكت الكل على هذا القدر ، فمن الجائز أن يكون لما رده معللا بذلك بناء على ظن أنه صيد لأجله ذكر له أنه لم يصده لأجله فقبله بعد الرد وأكل منه ، وهذا جمع على قول من يشترط عدم الاصطياد لأجله ، وعلى قول الكل ما قال البيهقي بعدما ذكر الرواية التي ذكرناها قال : وهذا إسناد صحيح ، فإن كان محفوظا فكأنه رد الحي وقبل اللحم . ا هـ .

إلا أن هذا جمع بإنشاء إشكال آخر وهو رد رواية أنه رد اللحم وهي بعد صحتها ثبت عليها الراوي ورجع عما سواها على ما قدمناه ، إلا أن يدعى أنه عبر بالبعض عن الكل في رواية رد اللحم وفيه ما قدمناه . وعلى كل حال ففي هذا الحديث اضطراب ليس مثله في حديث أبي قتادة فكان هو أولى . فإن قيل : إن حديث أبي قتادة كان سنة ست في عمرة الحديبية ، وحديث الصعب كان في حجة الوداع فيكون ناسخا لما قبله . قلنا أما إن حديث الصعب كان في حجة الوداع فلم يثبت عندنا ، وإنما ذكره الطبري وبعضهم ولم نعلم لهم فيه ثبتا صحيحا . وأما حديث أبي قتادة فإنه وقع في مسند عبد الرزاق عنه قال : { انطلقنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم } فساق الحديث . ففي الصحيحين عنه خلاف ذلك ، وهو ما روي عنه { أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج حاجا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم أبو قتادة وقال لهم : خذوا ساحل البحر حتى نلتقي } الحديث .

ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع فكان بالتقديم أولى . ومما يدل على ما ذهبنا إليه حديث البهزي : أخرج الطحاوي عن عمير بن سلمة الضرير قال : { بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 96 ] ببعض أفناء الروحاء وهو محرم إذا حمار معقور فيه سهم قد مات ، فقال عليه الصلاة والسلام : دعوه فيوشك صاحبه أن يأتيه ، فجاء رجل من بهز هو الذي عقر الحمار ، فقال : يا رسول الله هو رميتي فشأنكم به ، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق وهم محرمون } وجه الاستدلال أن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال .




الخدمات العلمية