الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وفي صيد الحرم إذا ذبحه الحلال قيمته يتصدق بها على الفقراء ) ; لأن الصيد استحق الأمن بسبب الحرم . [ ص: 95 - 96 ] قال صلى الله عليه وسلم في حديث فيه طول { ولا ينفر صيدها } ( ولا يجزيه الصوم ) ; لأنها غرامة وليست بكفارة ، فأشبه ضمان الأموال ; وهذا لأنه يجب بتفويت وصف في المحل وهو الأمن والواجب على المحرم بطريق الكفارة جزاء على فعله ; لأن الحرمة باعتبار معنى فيه وهو إحرامه ، والصوم يصلح جزاء الأفعال لا ضمان المحال . وقال زفر : يجزيه الصوم اعتبارا بما وجب [ ص: 97 ] على المحرم ، والفرق قد ذكرناه ، وهل يجزيه الهدي ؟ ففيه روايتان .

التالي السابق


( قوله : قال صلى الله عليه وسلم ) روى الستة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : { لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال : فإن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنما أحلت لي ساعة من النهار ، ثم بقيت حرمتها إلى يوم القيامة . لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها ولا تحل ساقطتها ، فقال العباس : إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا ، فقال عليه الصلاة والسلام إلا الإذخر } والخلى بالمعجمة مقصورا الحشيش إذا كان رطبا واختلاؤه قطعه . ( قوله : والواجب على المحرم إلخ ) حاصل ما هنا أن حرمة القتل ثابتة في الصورتين ، غير أن سببها في الإحرام وجوب الجري على موجبه ، فإنه عبارة عن الدخول في حرمة عبادة الحج أو العمرة بالتزام ما يمنع منه حال التلبس بها كالدخول في حرمة الصلاة ، ومنه عدم التعرض للصيد فكان حكمة منعه ، والله سبحانه أعلم كونه يهيج النفس إلى حالة تنافي حالة الإحرام التي هي التصور بصورة الموت والفاقة فإن فيه ضراوة ، وحالة الإحرام ضراعة قد ظهر أثرها أكثر من ظهوره في سائر العبادات ، ألا ترى إلى كشف الرأس والتلفف بثياب الموت فإذا قتله فقد جنى على العبادة حيث لم يجر على موجبها وجبر العبادة المحضة بعبادة محضة فدخله الصوم . وأما في الحرم فسببها إبقاء أمنه الحاصل له شرعا بسبب الإيواء إلى حمى الله تعالى ، فإذا فوته وجب الجزاء ; لتفويت ذلك الوصف الكائن في المحل لا لجناية على عبادة تلبس بها والتزمها بعقد خاص بارتكاب محظورها فلا يدخل الصوم فيه كتفويت أمن كائن لمملوك رجل في ماله لاستهلاكه لا يكون بصوم ونحوه بل جبر الأمن الفائت بإثبات أمن للفقير عن بعض الحاجات أنسب ; لأنه من جنس المجبور ، وعلى وفق هذا وقع في الشرع ، إلا أن مستحق هذا [ ص: 97 ] الضمان هو الله سبحانه .

فتجاذبه أصلان : شبه الغرامات اللازمة لتفويت المحال ، وكونه حقا من حقوق الله تعالى فرتبنا على كل وجه مقتضاه محتاطين في الترتيب المذكور فقلنا : لا يدخله الصوم نظرا إلى أنه ضمان محل . ولا ضمان على الصبي لو قتل صيد الحرم . ولو قتل الصيد حلال في يد حلال صاده من الحرم وجب على كل واحد منهما ضمان كامل لتفويت كل الأمن الواحد الثابت للصيد ، أحدهما بالأخذ ، والثاني بالقتل بعدما كان بعرضية أن يطلقه ، وفي مثليهما من ضمان المتلفات قيمة واحدة على الآخذ . واتفقوا هنا على رجوع الآخذ على القاتل ، أما على قول أبي حنيفة فظاهر ; لأنه في الإحرام يقول يرجع الآخذ على القاتل مع جناية ليس ضمان محل فهنا أولى ، وهما منعا الرجوع هناك وأثبتاه هنا ; لأنه ضمان محل من وجه ، وفي ضمان المحل يرجع على من يقرر الضمان . وإذا تأملت رأيت خصوص الاعتبار في كل مسألة من هذه بجهة دون الجهة الأخرى ; لأنه اللائق فيها فتأمل مستعينا بالله تعالى ترشد إن شاء الله تعالى .

ثم يدخل جزاء صيد الحرم في جزاء صيد الإحرام ، فلو قتل محرم صيد الحرم وجب عليه جزاء واحد على وفق جزائه للإحرام خاصة . وتحقيق هذا المقام أن الثابت هنا حق واحد لله تعالى بسبب ارتكابه حرمة واحدة ، وذلك ; لأن المتحقق أن الله تعالى حرم قتله ووضع لهذه الحرمة سببين : حلوله في الحرم ، ووجود الإحرام ، فأيهما وجد استقل بإثارة الحرمة ، فإذا وجدا معا وهو الإحرام في الحرم لم يتحقق سوى تلك الحرمة ، وثبوت الأمن إنما هو عن هذه الحرمة وعلمت أنها حرمة واحدة فههنا أمر واحد عن حرمة واحدة فوتت ، غير أن الله تعالى رتب على انتهاك الحرمة الكائن بالقتل حال كونها عن سبب الإحرام جزاء يدخله الصوم ودل النظر السابق حال كونها عن حلول الصيد في الحرم على وجوب جزاء لا يدخله ، فإذا ثبتت الحرمة عن السببين جميعا بأن كان محرما في الحرم ثم انتهكت بالقتل فيه تعذر في الجزاء اللازم اعتباره في الوجهين جميعا فلزم اعتباره على أحدهما فرأينا اعتباره على الوجه الذي اعتبره صاحب الشرع وهو ما إذا كان القتل مع الإحرام هو الوجه ; لأنه أقوى السببين فقلنا بذلك . وإنما كان أقوى ; لأن كونه سببا للضمان منصوص عليه بالنص القطعي ، قال تعالى { فجزاء مثل ما قتل من النعم } بخلاف الكون في الحرم فإن النصوص إنما أفادت سببيته لحرمة التعرض ، ولم يصرح بلزوم الجزاء ذاك التصريح فظهر العلماء على أنه تفويت أمن مستحق كالقتل في الإحرام فوجب الضمان على ذلك الوجه : أعني على وجه لا يدخل فيه الصوم وعليه ترديد نورده في جناية القارن ، والله سبحانه أعلم .

( قوله : وهل يجزيه الهدي ؟ فيه روايتان ) في رواية لا فلا يتأدى بالإراقة بل لا بد من التصدق بلحمه بعد أن تكون قيمة اللحم بعد الذبح مثل قيمة الصيد لا إذا كان دونه ، ولذا لو سرق المذبوح وجب أن يقيم غيره مقامه ; لأنه لا مدخل للإراقة في غرامات الأموال . وفي أخرى يتأدى فتكون الأحكام المذكورة على عكسها ، وإنما يشترط كون قيمة الهدي قبل الذبح قيمة المقتول ; لأن الحق لله تعالى والهدي مال يجعل لله تعالى ، وإراقة الدم طريق صالح شرعا لجعل المال [ ص: 98 ] له خالصا كالتصدق ; ألا ترى أن المضحي يجعل الأضحية خالصة له سبحانه بإراقة دمها .




الخدمات العلمية