الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَيَضَعُ رَأْسَ الْإِبْهَامِ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ . ثُمَّ يَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَيَلْتَفِتُ يَمِينًا بِحَيْثُ يَرَى خَدَّهُ الْأَيْمَنَ مَنْ وَرَاءَهُ مِنَ الْجَانِبِ الْيَمِينِ وَيَلْتَفِتُ شِمَالًا كَذَلِكَ . وَيُسَلِّمَ تَسْلِيمَةً ثَانِيَةً وَيَنْوِي الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ . إتحاف السادة المتقين (وَيَضَعُ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَيُخْرِجُ، (رَأْسَ الْإِبْهَامِ) ، أَيْ: مِنَ الرِّجْلِ الْيُسْرَى (إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ) ذَلِكَ، ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ الرُّكْنِ السَّابِعِ الَّذِي هُوَ السَّلَامُ، فَقَالَ: (ثُمَّ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) ، وَهَذَا هُوَ الْأَقَلُّ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا النَّظْمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ كَانَ يُسَلِّمُ، وَهُوَ كَافٍ؛ لِأَنَّهُ تَسْلِيمٌ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" وَلَوْ قَالَ: "سَلَامٌ عَلَيْكُمْ"، فَوَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، وَالثَّانِي يُجْزِئُهُ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي "الرَّوْضَةِ": الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ اهـ . وَكَذَا لَا يُجْزِئُ قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ، وَلَا: سَلَامِي عَلَيْكَ، وَلَا: سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَلَا: السَّلَامُ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَا يُجْزِئُ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إِذَا قَالَ عَمْدًا، وَيَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يُوقِعَ السَّلَامَ فِي حَالَةِ الْقُعُودِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، هَذَا فِي أَقَلِّ السَّلَامِ، فَأَمَّا الْأَكْمَلُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ (وَرَحْمَةُ اللَّهِ) ، وَهَلْ يَزِيدُ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ؟ الْجَدِيدُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهُ الْمُصَلِّي مَرَّتَيْنِ، وَيُحْكَى عَنِ الْقَدِيمِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيُفَرَّقُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الْقَوْمِ كَثْرَةٌ، أَوْ كَانَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ لَغَطٌ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ لِيَحْصُلَ الْإِبْلَاغُ، وَإِنْ قَلُّوا وَلَا لَغَطَ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجْعَلُهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، (وَإِنْ) قُلْنَا: بِالصَّحِيحِ، وَهُوَ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ (يَلْتَفِتَ) فِي الْأُولَى (يَمِينًا) ، أَيْ: عَنْ يَمِينِهِ (بِحَيْثُ يَرَى) بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ، وَقَوْلُهُ: (خَدَّهُ الْأَيْمَنَ) ، مَفْعُولُهُ، وَالْفَاعِلُ هُوَ قَوْلُهُ: (مَنْ وَرَاءَهُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ) ؛وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ جَانِبِ الْيَمِينِ، (وَيَلْتَفِتَ شِمَالًا كَذَلِكَ، وَيُسَلِّمَ تَسْلِيمَةً) ، وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةٌ: ثَانِيَةً، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْتَدِئَ بِهَا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ يَلْتَفِتُ بِحَيْثُ يَكُونُ انْقِضَاؤُهَا مَعَ تَمَامِ الِالْتِفَاتِ، وَيَلْتَفِتُ -قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي "الْمُخْتَصَرِ"- بِحَيْثُ يُرَى خَدَّاهُ، وَحَكَى الشَّارِحُونَ أَنَّ الْأَصْحَابَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ: حَتَّى يُرَى مِنْ كُلِّ جَانِبٍ خَدَّاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: حَتَّى يُرَى مِنْ كُلِّ جَانِبٍ خَدُّهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيُسَلِّمُ عَلَى يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ". قُلْتُ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا غَيْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُمْ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَحُذَيْفَةُ، وَعَدِيُّ بْنُ عَمِيرَةَ، وَطَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، وَوَائِلُ بْنُ حَجَرٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَأَبُو رِمْثَةَ الْبَلَوِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ذَكَرَهُمُ الطَّحَاوِيُّ، وَتَبِعَهُ الْحَافِظُ فِي "التَّخْرِيجِ"، وَبِذَلِكَ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ زِيَادَةُ: "وَبَرَكَاتُهُ"، وَهِيَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا، وَهِيَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ، فَيُتَعَجَّبُ مِنَ ابْنِ الصَّلَاحِ؛ حَيْثُ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ، اهـ . فَمَا فِي كُتُبِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ بِدْعَةٌ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ثَابِتٌ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَقَالَ مَالِكٌ : يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً سَوَاءٌ فِيهِ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَقَالَ الْحَاكِمُ: رَوَاهُ وَهْبٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا، وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ : لَا يَصِحُّ فِي تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ شَيْءٌ، وَحَمَلَهُ الْقَائِلُونَ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ؛ إِذْ قَدْ وَرَدَ فِيهِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ حَتَّى يُوقِظَنَا بِهَا"، وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ فِي سِيَاقِ ابْنِ حِبَّانَ فِي الصَّحِيحِ، وَابْنِ الْعَبَّاسِ السَّرَّاجِ فِي مُسْنَدِهِ، وَالَّذِينَ رَوَوْا عَنْهُ التَّسْلِيمَتَيْنِ، وَرَأَوْا مَا شَهِدُوا فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً يُوقِظُهُمْ بِهَا، وَلَمْ تَنْفِ الْأُخْرَى، بَلْ سَكَتَتْ عَنْهَا، وَلَيْسَ سُكُوتُهَا عَنْهَا مُقَدَّمًا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ حَفِظَهَا وَضَبَطَهَا، وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَأَحَادِيثُهُمْ أَصَحُّ، (وَيَنْوِي الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ بِسَلَامِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ الْقَاصِّ، وَيُحْكَى عَنْ ظَاهِرِ نَصِّهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَاجِبٌ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، فَتَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ كَالتَّكْبِيرِ، وَلِأَنَّ لَفْظَ السَّلَامِ يُنَاقِضُ الصَّلَاةَ فِي وَصْفِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ خِطَابُ الْآدَمِيِّينَ، وَلِهَذَا لَوْ سَلَّمَ قَصْدًا فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ نِيَّةً صَارِفَةً إِلَى قَصْدِ التَّحَلُّلِ صَارَ مُنَاقِضًا، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْوَكِيلِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ، وَوَجْهُهُ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ لَا تَجِبُ فِيهَا نِيَّةُ الْخُرُوجِ، وَلَا النِّيَّةُ تَلِيقُ بِالْإِقْدَامِ دُونَ التَّرْكِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْقَفَّالِ، وَاخْتِيَارُ مُعْظَمِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَحَمَلُوا نَصَّهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْخُرُوجِ بِخِلَافِ حَالَةِ الشُّرُوعِ، فَإِنَّ الْخُرُوجَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ، وَلَوْ عَيَّنَ غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَوْ سَهَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ ثَانِيًا مَعَ النِّيَّةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ الْخَطَأُ فِي التَّعْيِينِ، وَعَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الْخُرُوجَ مُقْتَرِنًا بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، وَلَوْ سَلَّمَ وَلَمْ يَنْوِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ نَوَى الْخُرُوجَ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا، وَلَوْ نَوَى قَبْلَهُ الْخُرُوجَ عِنْدَهُ فَقَدْ قَالَ فِي "النِّهَايَةِ": لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا نِيَّتُهُ، بَلْ يَأْتِي بِالنِّيَّةِ مَعَ السَّلَامِ، اهـ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية