الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين تَمْيِيزُ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ . جُمْلَةُ مَا ذُكِرَ يَشْتَمِلُ عَلَى فَرَائِضَ وَسُنَنٍ وَآدَابٍ وَهَيْئَاتٍ مِمَّا يَنْبَغِي لِمُرِيدِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ أَنْ يُرَاعِيَ جَمِيعَهَا . فَالْفَرْضُ مِنْ جُمْلَتِهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ خَصْلَةً . إتحاف السادة المتقين (تَمْيِيزُ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ) وَبَيَانُ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (جُمْلَةُ مَا ذَكَرْنَاهُ) آنِفًا (يَشْتَمِلُ عَلَى) أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ (فَرَائِضَ وَسُنَنٍ وَآدَابٍ وَهَيْئَاتٍ) فِي كُلٍّ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، فَالْفَرَائِضُ هِيَ الْأَرْكَانُ وَالشُّرُوطُ . وَأَمَّا الْمَنْدُوبَاتُ فَقِسْمَانِ: مَنْدُوبَاتٌ يُشْرَعُ فِي تَرْكِهَا سُجُودُ السَّهْوِ، وَمَنْدُوبَاتٌ لَا يُشْرَعُ فِيهَا ذَلِكَ، وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ تُسَمَّى أَبْعَاضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخُصُّهَا بَاسِمِ الْمَسْنُونَاتِ، وَيُسَمَّى الْقِسْمُ الثَّانِي هَيْآتٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ عِبَارَتِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى تَسْمِيَةِ السُّنَنِ أَبْعَاضًا قَرِيبًا، ثُمَّ إِنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرَائِضِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْأَرْكَانُ، وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ عَدَّ التَّكْبِيرَةَ مِنْهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ عَنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الصَّلَاةِ . (مِمَّا يَنْبَغِي لِمُرِيدِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ) وَهُوَ السَّالِكُ فِي سَبِيلِهَا (أَنْ يُرَاعِيَ) وَيُلَاحِظَ (جَمِيعَهَا) بِالْعَمَلِ بِهَا (فَالْفَرْضُ مِنْ جُمْلَتِهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ خَصْلَةً) اعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْأَفْعَالِ الْمُفْتَتَحَةِ بِالتَّكْبِيرِ الْمُخْتَتَمَةِ بِالتَّسْلِيمِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ أُمُورٍ أُخَرَ مَعَ الِاعْتِدَادِ بِتِلْكَ الْأَفْعَالِ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْأُمُورُ شُرُوطًا، وَتِلْكَ الْأَفْعَالُ أَرْكَانًا، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، اعْلَمْ أَنَّ الرُّكْنَ وَالشَّرْطَ يَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُمَا، وَكَيْفَ يَفْتَرِقَانِ؟ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَفْتَرِقَانِ افْتِرَاقَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَلَا مَعْنَى لِلشَّرْطِ إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا كُلُّ رُكْنٍ شَرْطٌ، وَلَا يَنْعَكِسُ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَفْتَرِقَانِ افْتِرَاقَ الْخَاصَّيْنِ، وَنَعْنِي بِالشَّرْطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الصَّلَاةِ بِحَيْثُ يُقَارِنُ كُلُّ مُعْتَبَرٍ سِوَاهُ، وَبِالرُّكْنِ مَا لَا يُعْتَبَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، هَكَذَا اصْطِلَاحُ الْمُصَنِّفِ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنِ الْأَرْكَانِ هُنَا بِالْفَرَائِضِ وَعَدَّهَا فِي الْوَجِيزِ أَحَدَ عَشَرَ، وَهُنَا اثْنَيْ عَشَرَ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْقُوتِ فِي كُلٍّ مِنَ التَّعْبِيرِ وَالْعَدِّ، ثُمَّ إِنَّ أَجْنَاسَ الْأَرْكَانِ الَّتِي سَمَّاهَا فَرَائِضَ، مِنْهَا مَا لَا يَتَكَرَّرُ كَالسَّلَامِ، وَمِنْهَا مَا يَتَكَرَّرُ، أَمَّا فِي الرَّكْعَةِ فَكَالسُّجُودِ أَوْ بِحَسَبِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ كَالرُّكُوعِ، وَلَمْ يَعُدَّ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ أَرْكَانًا، بَلْ جَعَلَهَا فِي كُلِّ رُكْنٍ كَالْجُزْءِ مِنْهُ وَالْهَيْئَةِ التَّابِعَةِ، كَمَا سَيَأْتِي كَلَامُهُ، وَبِهِ يُشْعِرُ قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "ثُمَّ تَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا". وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا أَرْكَانًا مُسْتَقِلَّةً، وَضَمَّ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ إِلَى الْأَرْكَانِ الْمَذْكُورَةِ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْقَفَّالُ وَصَوَّبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَضَ نِيَّةَ الْخُرُوجِ وَالْمُوَالَاةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى آلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَلْحَقَهَا بِالْأَرْكَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَمَّ إِلَى تِلْكَ الْأَرْكَانِ التَّرْتِيبَ فِي الْأَفْعَالِ، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية