الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      آ . (20) قوله تعالى : مكان زوج : ظرف منصوب بالاستبدال ، والمراد بالزوج هنا الجمع أي : وإن أردتم استبدال أزواج مكان أزواج ، وجاز ذلك لدلالة جمع المستبدلين ، إذ لا يتوهم اشتراك المخاطبين في زوج واحد مكان زوج واحد ، ولإرادة معنى الجمع عاد الضمير من قوله : " إحداهن " على "زوج " جمعا . والتي نهى عن الأخذ منها هي المستبدل مكانها ، لأنها آخذة منه بدليل قوله : وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وهذا إنما هو في القديمة لا المستحدثة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال : إحداهن ليدل على أن قوله : وآتيتم المراد منه : وآتى كل واحد منكم إحداهن ، أي : إحدى الأزواج ، ولم يقل : "آتيتموهن قنطارا " لئلا يتوهم أن الجميع المخاطبين آتوا الأزواج قنطارا ، والمراد : آتى كل واحد زوجه قنطارا ، فدل لفظ "إحداهن " على أن الضمير في "آتيتم " المراد منه كل [ ص: 633 ] واحد واحد كما دل لفظ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج على أن المراد استبدال أزواج مكان أزواج ، فأريد بالمفرد هنا الجمع لدلالة وإن أردتم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأريد بقوله وآتيتم كل واحد واحد ، لدلالة "إحداهن " وهي مفردة على ذلك . ولا يدل على هذا المعنى البليغ بأوجز ولا أفصح من هذا التركيب . وتقدم معنى القنطار واشتقاقه في آل عمران . والضمير في "منه " عائد على "قنطارا " .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ ابن محيصن : "آتيتم احداهن " بوصل ألف "إحدى " كما قرئ : إنها لحدى الكبر حذف الهمزة تخفيفا كقوله :


                                                                                                                                                                                                                                      1560 - إن لم أقاتل فالبسوني برقعا ... ... ... ...



                                                                                                                                                                                                                                      وبهذا الذي ذكرته يتضح معنى الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد طول أبو البقاء فيها ولم يأت بطائل ، ولا بد من التعرض لما قاله والتنبيه عليه . قال : "وفي قوله وآتيتم إحداهن قنطارا إشكالان ، أحدهما : أنه جمع الضمير والمتقدم زوجان . والثاني : أن التي يريد أن يستبدل بها هي التي تكون قد أعطاها مالا فينهاه عن أخذه ، فأما التي يريد أن يستحدثها فلم يكن أعطاها شيئا حتى ينهى عن أخذه ، ويتأيد ذلك بقوله : وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض . والجواب عن الأول : أن المراد بالزوج الجمع ، لأن الخطاب لجماعة الرجال ، وكل منهم قد يريد [ ص: 634 ] الاستبدال ، ويجوز أن يكون جمع لأن التي يريد أن يستحدثها يفضي حالها إلى أن تكون زوجا ، وأن يريد أن يستبدل بها كما استبدل بالأولى فجمع على هذا المعنى . وأما الإشكال الثاني ففيه جوابان أحدهما : أنه وضع الظاهر موضع المضمر ، والأصل : وآتيتموهن . والثاني : أن المستبدل بها مبهمة فقال " إحداهن "إذ لم تتعين حتى يرجع الضمير إليها ، وقد ذكرنا نحوا من هذا في قوله : فتذكر إحداهما الأخرى انتهى .

                                                                                                                                                                                                                                      وفي قوله : "وضع الظاهر موضع المضمر " نظر ، لأنه لو كان الأصل كذلك لأوهم أن الجميع آتوا الأزواج قنطارا كما تقدم ، وليس كذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : أتأخذونه بهتانا الاستفهام للإنكار أي : أتفعلونه مع قبحه . وفي نصب "بهتانا وإثما " وجهان : أحدهما : أنهما منصوبان على المفعول من أجله أي : لبهتانكم وإثمكم . قال الزمخشري : "وإن لم يكن غرضا كقولك : قعد عن القتال جبنا " . والثاني : أنهما مصدران في موضع الحال ، وفي صاحبها وجهان : أظهرهما : أنه الفاعل في "أتأخذونه " [أي ] باهتين وآثمين . والثاني : أنه المفعول أي : أتأخذونه مبهتا محيرا لشنعته وقبح الأحدوثة عنه .

                                                                                                                                                                                                                                      وبهتان : فعلان من البهت ، وقد تقدم معناه في البقرة ، وتقدم أيضا الكلام في "كيف " ومحلها من الإعراب في البقرة أيضا في قوله : كيف تكفرون .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية