إحياء علوم الدين
فإذن الناس وإن اختلفت طرقهم في العبادة فكلهم على الصواب أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب وإنما يتفاوتون في درجات القرب لا في أصله وأقربهم إلى الله تعالى أعرفهم به وأعرفهم به لا بد وأن يكون أعبدهم له فمن عرفه لم يعبد غيره والأصل في الأوراد في حق كل صنف من الناس المداومة فإن المراد منه تغيير الصفات الباطنة وآحاد الأعمال يقل آثارها ، بل لا يحس بآثارها وإنما يترتب الأثر على المجموع فإذا لم يعقب العمل الواحد أثرا محسوسا ولم يردف بثان وثالث على القرب انمحى الأثر الأول وكان كالفقيه يريد أن يكون فقيه النفس ، فإنه لا يصير فقيه النفس إلا بتكرار كثير فلو بالغ ليلة في التكرار وترك شهرا أو أسبوعا ثم عاد وبالغ ليلة لم يؤثر هذا فيه ولو وزع ذلك القدر على الليالي المتواصلة لأثر فيه ، ولهذا السر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل " وسئلت عائشة رضي الله عنها عن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : كان عمله ديمة ، وكان إذا عمل عملا أثبتهولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " من عوده الله عبادة فتركها ملالة مقته الله " وهذا كان السبب في صلاته بعد العصر تداركا لما فاته من ركعتين شغله عنهما الوفد ، ثم لم يزل بعد ذلك يصليهما بعد العصر ، ولكن في منزله لا في المسجد كيلا يقتدى به روته ، عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما


