الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال بعضهم : إذا قصدت للزيارة فقدم ما حضر وإن استزرت فلا تبق ولا تذر .

وقال سلمان أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نتكلف للضيف ما ليس عندنا ، وأن نقدم إليه ما حضرنا .

وفي حديث يونس النبي صلى الله عليه وسلم أنه زاره إخوانه فقدم إليهم كسرا وجز لهم بقلا كان يزرعه ثم قال لهم: كلوا ، لولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت لكم .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره من الصحابة أنهم كانوا يقدمون ما حضر من الكسر اليابسة وحشف التمر ويقولون : لا ندري أيهما أعظم وزرا الذي يحتقر ما يقدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه .

الأدب الثاني وهو للزائر أن لا يقترح ولا يتحكم بشيء بعينه فربما يشق على المزور إحضاره فإن خيره أخوه بين طعامين فليتخير أيسرهما عليه ، كذلك السنة ففي الخبر : أنه ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين إلا اختار أيسرهما .

وروى الأعمش عن أبي وائل أنه قال : مضيت مع صاحب لي نزور سلمان فقدم إلينا خبز شعير وملحا جريشا ، فقال صاحبي : لو كان في هذا الملح سعترا كان أطيب ، فخرج سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعترا ، فلما أكلنا قال صاحبي : الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا ، فقال سلمان : لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة .

هذا إذا توهم تعذر ذلك على أخيه أو كراهته له ، فإن علم أنه يسر باقتراحه ويتيسر عليه ذلك فلا يكره له الاقتراح فعل الشافعي رضي الله عنه ذلك مع الزعفراني إذ كان نازلا عنده ببغداد وكان الزعفراني يكتب كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان ويسلمها إلى الجارية فأخذ الشافعي الرقعة في بعض الأيام وألحق بها لونا آخر بخطه ، فلما رأى الزعفراني ذلك اللون أنكر وقال : ما أمرت بهذا ، فعرضت عليه الرقعة ملحقا فيها خط الشافعي ، فلما وقعت عينه على خطه فرح بذلك وأعتق الجارية سرورا باقتراح الشافعي عليه .

وقال أبو بكر الكتاني دخلت على السري فجاء بفتيت وأخذ يجعل نصفه في القدح ، فقلت له : أي شيء تعمل وأنا أشربه ؟ كله في مرة واحدة ، فضحك وقال : هذا أفضل لك من حجة .

التالي السابق


(وقال بعضهم: إذا قصدت للزيارة فقدم ما حضر) في الطعام من غير تكلف، (وإن استزرت) أي: طلبت للزيارة (فلا تبق) من همتك (شيئا ولا تذر) أي: ولا تترك، نقله صاحب "القوت" .

(وقال سلمان) الفارسي -رضي الله عنه- (أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا نتكلف للضيف ما ليس عندنا، وأن نقدم ما حضرنا) . قال العراقي : رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق، ولأحمد: لولا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهانا، أو لولا أنا نهينا أن يتكلف أحدنا لصاحبه لتكلفنا لك. وللطبراني نهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نتكلف للضيف ما ليس عندنا. اهـ .

قلت: حديث سلمان عند الحاكم في الأطعمة بلفظ: نهي عن التكلف للضيف، قال الذهبي: سنده لين .

(وفي حديث يونس النبي عليه السلام) هو يونس بن متى نسب إلى أمه، وقيل: هو اسم أبيه -صلى الله عليه وسلم- (أنه زاره إخوانه فقدم إليهم كسرا) من شعير (وجز لهم بقلا كان يزرعه ثم قال:) كلوا (لولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت لكم) كذا أورده صاحب "القوت "، (و) روي (عن أنس بن مالك وغيره من الصحابة) رضي الله عنهم (أنهم كانوا يقدمون) لإخوانهم (ما حضر من الكسر اليابسة وحشف التمر) والدقل (ويقولون: لا تدري أيهما أعظم وزرا الذي يحتقر ما قدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه) كذا في "القوت " والعوارف، زاد صاحب "القوت ": وقد روينا في معناه خبرا مسندا، وقد كان أنس وغيره يقدمون ما عندهم إلى إخوانهم ويقولون: إن الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق.

(الأدب الثاني وهو للزائر) فإذا زار أخاه (أن لا يقترح) على رب المنزل، والاقتراح الاستدعاء والطلب، ومنه قول الشاعر:


قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه قلت اطبخوا لي جبة وقميصا

(ولا يتحكم) عليه (بشيء) من أنواع الطعام (بعينه) ويسميه فيقول: أريد كذا، فليس ذلك من القناعة (فربما يشق على المزور إحضاره) ويوقعه فيما لا يستطيعه، (فإن خيره أخوه) المزور (بين طعامين) أي: بين نوعين من الطعام (فليختر) أقربهما إليه و (أيسرهما) أي: أسهلهما (عليه، كذلك السنة، ففي الخبر: أنه ما خير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين شيئين إلا اختار أيسرهما) قال العراقي : متفق عليه من حديث عائشة ، وزاد: ما لم يكن إثما، ولم يذكرهما مسلم في بعض طرقه. ا هـ .

(وروى الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي الفقيه (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي من العلماء العاملين له إدراك، وسمع عمر ومعاذا، وعنه منصور والأعمش، توفي سنة 83 (قال: مضيت مع صاحب لي نزور سلمان) رضي الله [ ص: 237 ] عنه (فقدم إلينا خبز شعير وملحا جريشا، فقال صاحبي: لو كان في هذا الملح صعتر) يقال: بالصاد وبالسين وبالزاي، وهو نبت بري حار (كان أطيب، فخرج سلمان) -رضي الله عنه- (فرهن) عند البقال (مطهرته) بالكسر أي: الإداوة التي كان يتوضأ بها، (وأخذ) منه (صعترا، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا، فقال سلمان: لو قنعت بما رزقت فلم تكن مطهرتي مرهونة) عند البقال، كذا أورده صاحب "القوت " (هذا إذا توهم تعذر ذلك على أخيه أو كراهته له، فإن علم أنه) ممن يأنس به وأنه مما (يسر باقتراحه) عليه (و) أنه (يتيسر عليه ذلك) أي: تحصيله (فلا يكره له الاقتراح) . قد (فعل الشافعي ) محمد بن إدريس -رضي الله عنه- (ذلك مع) تلميذه الحسن بن محمد بن الصباح (الزعفراني) أبو علي البغدادي روى عن سفيان بن عيينة وشبابة وعفان، وهو من رواة مذهب الشافعي القديم، وعنه جماعة منهم البخاري في صحيحه وأبو حاتم الدارقي، وقال: صدوق. وقال النسائي وابن أبي حاتم: ثقة. وقال ابن حبان في الثقات: كان راويا للشافعي، وكان يحضر أحمد وأبو ثور عند الشافعي وهو الذي يتولى القراءة عليه، قال الزعفراني: لما قرأت كتاب الرسالة على الشافعي قال لي: من أي العرب أنت ؟ قلت: ما أنا بعربي، وما أنا إلا من قرية يقال لها: الزعفرانية، قال: فأنت سيد هذه القرية، توفي سنة 226 (إذ كان نازلا عنده ببغداد) بالجانب الغربي منها، ولفظ " القوت ": نازلا عليه ببغداد، (وكان الزعفراني يكتب كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان ويسلمها إلى الجارية) ولفظ " القوت ": فكانا يخرجان يوم الجمعة إلى الصلاة، فكان الزعفراني يكتب في رقعة للجارية ما تصلح من الألوان، (فأخذ الشافعي الرقعة في بعض الأيام وألحق بها لونا آخر بخطه، فلما رأى الزعفراني ذلك اللون أنكر وقال: ما أمرت بهذا، فعرضت عليه الرقعة ملحقا فيها خط الشافعي ، فلما وقعت عينه على خطه فرح بذلك وأعتق الجارية سرورا باقتراح الشافعي عليه) ، ولفظ " القوت ": فدعا الشافعي ذات يوم الجارية بالرقعة فنظر فيها ثم زاد لونا اشتهاه، فلما جاء الزعفراني وقدمت الجارية ذلك اللون أنكره إذ لم يأمرها به، فسألها عنه، فأخبرته أن الشافعي -رضي الله عنه- زاد ذلك في الرقعة، فقال: أريني الرقعة، فلما نظر إلى خط الشافعي ملحقا في الرقعة بذلك اللون، فرح بذلك وأعجبه فقال: أنت حرة لوجه الله تعالى. فأعتقها سرورا منه بفعل الشافعي ذلك، وإليه نسب درب الزعفراني بباب الشعير. اهـ .

(وقال أبو بكر الكتاني) ، وهو من مشايخ الرسالة اسمه محمد بن علي، بغدادي الأصل، صحب الجنيد والخراز والنوري، وجاور بمكة إلى أن مات بها سنة 322 (دخلت على السري) بن المفلس السقطي خال الجنيد وشيخه (فجاء بفتيت) أي: خبز مفتوت (وأخذ يجعل نصفه في القدح، فقلت: أي شيء هو ذا تعمل ؟ أنا أشرب كله في مرة واحدة، فضحك) السري (وقال: هذا أفضل لك من حجة) كذا في "القوت "، أي: عمل قليل وثوابه كثير، لما فيه من النية الحسنة بإدخال السرور على أخيه .




الخدمات العلمية