الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفي آخر الليل وردت الأخبار باهتزاز العرش ، وانتشار الرياح من جنات عدن ، ومن نزول الجبار تعالى إلى سماء الدنيا وغير ذلك من الأخبار وترتيب هذا الورد أنه بعد الفراغ من الأدعية التي للاستيقاظ يتوضأ وضوءا كما سبق بسننه وآدابه وأدعيته

التالي السابق


( وفي آخر الليل) وهو الثلث الأخير ( وردت الأخبار باهتزاز العرش، وانتشار الرياح من جنات عدن، ومن نزول الجبار إلى سماء الدنيا) هكذا هو لفظ القوت ( وغير ذلك من الأخبار) .

قال العراقي: أما حديث الترمذي فقد تقدم، وأما الباقي فهي آثار، رواها محمد بن نصر في قيام الليل، من رواية سعيد الجريري، قال: "قال داود: يا جبريل، أي الليل أفضل؟ قال: ما أدري، غير أن العرش يهتز في السحر" وفي رواية عن الجريري، عن سعيد بن أبي الحسن قال: "إذا كان من السحر ألا ترى كيف تفوح ريح كل شجر" وله من حديث أبي الدرداء مرفوعا: "إن الله تعالى ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل، يفتح الذكر في الساعة الأولى" وفيه: "ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن" الحديث، وهو منكر. اهـ .

قلت: وهذا الحديث الذي أورده عن أبي الدرداء رواه أيضا الطبراني في كتاب السنة، من طريق الليث بن سعد، قال: حدثني زياد بن محمد الأنصاري، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء.

وقد رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، وابن مردويه في التفسير من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- بلفظ: "ينزل الله تعالى في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل، فينظر الله في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت، ثم ينظر في الساعة الثانية في جنة عدن، وهي مسكنه الذي يسكن فيه، لا يكون معه فيها أحد إلا الأنبياء والشهداء والصديقون، وفيها ما لم يره أحد، ولا خطر على قلب بشر، ثم يهبط آخر ساعة من الليل، فيقول: ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له، ألا سائل يسألني فأعطيه، ألا داع يدعوني فأستجيب له، حتى يطلع الفجر، وذلك قول الله -عز وجل-: وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا فليشهد الله وملائكته الليل والنهار".

( وترتيب هذا الورد أنه بعد الفراغ من الأدعية) المذكورة ( التي للاستيقاظ) فيسرع إلى التطهر، فيغتسل إن أمكنه، وإلا ( يتوضأ وضوءا) كاملا ( كما سبق بسننه وآدابه وأدعيته) قال الله تعالى: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وقال -عز وجل-: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها قال ابن عباس: الماء القرآن، والأودية القلوب، فسالت بقدرها، واحتملت ما وسعت، والماء مطهر، والقرآن بالتطهير أجدر، فالماء يقوم غيره مقامه، والقرآن والعلم لا يقوم غيره مقامه، ولا يسد مسده، فالماء الطهور يطهر الظاهر، والعلم والقرآن يطهران الباطن، ويذهبان برجز الشيطان، فالنوم غفلة، وهو من آثار الطبع، وجدير أن يكون من رجز الشيطان؛ لما فيه من الغفلة عن الله تعالى، وذلك أن الله تعالى أمر بقبض القبضة من التراب من وجه الأرض فكانت القبضة جلدة [ ص: 165 ] الأرض، والجلدة ظاهرها بشرة، والبشرة عبارة عن ظاهره وصورته، والأدمة عبارة عن باطنه وآدميته، والآدمية -بالمد- مجمع الأخلاق الحميدة .

وكان التراب موطئ أقدام إبليس، ومن ذلك اكتسب ظلمة، وصارت تلك الظلمة معجونة بطينة الآدمي، ومنها الصفات المذمومة، والأخلاق الردية، ومنها السهو والغفلة، فإذا استعمل الماء وقرأ القرآن أتى بالمطهرين جميعا، ويذهب عنه رجز الشيطان، وأثر وطأته، ويحكم له بالعلم والخروج من حيز الجهل .

واستعمال الطهور أمر شرعي، له تأثير في تنوير القلب، فإذا النوم الذي هو الحكم الطبيعي، الذي له تأثير في تكدر القلب، فيذهب نور هذا بظلمة ذلك؛ ولهذا رأى بعض العلماء الوضوء مما مست النار، وحكم أبو حنيفة بالوضوء من القهقهة في الصلاة؛ حيث رآه حكما طبيعيا جاليا للإثم، والإثم رجز الشيطان، والماء يذهب رجز الشيطان، حتى كان بعضهم يتوضأ من الغيبة، والكذب، وعند الغضب؛ لطهور النفس، ويصرف الشيطان في هذه المواطن .

ولو أن المتحفظ المراعي المراقب المحاسب كلما انطلقت النفس في المباح من كلام أو مساكنة إلى مخالطة الناس أو غير ذلك، مما هو بعرضته تحليل عقد العزيمة كالخوض فيما لا يعنيه قولا وفعلا، عقب ذلك بتحديد الوضوء، ثبت القلب على طهارته ونزاهته، ولكان الوضوء لصفاء البصيرة بمثابة الخفي الذي لا يزال بخفة حركته يجلو البصر، وما يعقلها إلا العالمون. فتفكر فيما نبهتك عليه تجد بركته وأثره .

قال صاحب العوارف: ولو اغتسل عند هذه المتجددات والعوارض والأشباه من النوم كان أزيد في تنوير قلبه، ولكان الأجدر أن يغتسل العبد لكل فريضة، باذلا مجهوده في الاستعداد لمناجاة الله تعالى، ويجدد غسل الباطن بصدق الإنابة، وقد قال الله تعالى: منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة قدم الإنابة على الدخول في الصلاة، ولكن رحمة الله تعالى وحكم الحنيفية السهلة السمحة رفع الحرج، وعرض بالوضوء عن الغسل، وجوز أداء مفترضات بوضوء واحد؛ دفعا للحرج عن عامة الأمة، وللخواص وأهل العزيمة مطالبة عن بواطنهم تحكم عليهم بالأولى، وتلجئهم إلى سلوك الأعلى .




الخدمات العلمية