الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل :

يجمع آدابا ومناهي طبية وشرعية متفرقة .

الأول حكي عن إبراهيم النخعي أنه قال الأكل في السوق دناءة وأسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده قريب .

وقد نقل ضده عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال كنا نأكل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ونحن نمشي ، ونشرب ونحن قيام
.

وروي بعض المشايخ من المتصوفة المعروفين يأكل في السوق فقيل له في ذلك فقال : ويحك! أجوع في السوق وآكل في البيت فقيل : تدخل المسجد قال: أستحي أن أدخل بيته للأكل فيه .

ووجه الجمع أن الأكل في السوق تواضع وترك تكلف من بعض الناس فهو حسن وخرق مروءة من بعضهم فهو مكروه وهو مختلف بعادات البلاد وأحوال الأشخاص فمن لا يليق ذلك بسائر أعماله حمل ذلك على قلة المروءة وفرط الشره ويقدح ذلك في الشهادة ومن يليق ذلك بجميع أحواله وأعماله في ترك التكلف كان ذلك منه تواضعا .

التالي السابق


(فصل يجمع آدابا ومناهي طبية وشرعية) من أخبار وآثار جاءت (متفرقة) منثورة في الأطعمة والأكل من بين نقص وفضل هي طرائق السلف الصالح وصنائع العرب لم تكن ذكرت في تضاعيف الكلام السابق، وقد نقلت من كلام القدماء؛ (الأول حكي عن إبراهيم) بن يزيد (النخعي) رحمه الله تعالى، وهو من كبار التابعين (أنه قال الأكل في السوق دناءة) أي: لؤم وخبث قاله السرقسطي (وأسند هذا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإسناده غريب) تبع المصنف في سياقه صاحب "القوت " ولفظه: وفي خبر سعيد بن لقمان عن عبد الرحمن الأنصاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (الأكل في السوق دناءة) ، ثم قال: هذا غريب مسنده وليس بذلك الصحيح أنه من قول التابعين إبراهيم النخعي ومن دونه، اهـ .

قلت: روي من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي أمامة، والذي أشار إليه صاحب "القوت " فقد أخرجه ابن عدي في الكامل فقال: حدثنا القاسم بن زكريا، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن الفرات، حدثني سعيد بن لقمان فساقه ابن الجوزي بعد إيراده إياه من طريق ابن عدي لا يصح، محمد بن الفرات كذاب، وله طريق أخرى عند الخطيب في التاريخ قال: أنبأنا محمد بن علي بن يعقوب، حدثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن حزبان الصفار، حدثنا أبو بشر الهيثم بن سهل، حدثنا مالك بن سعيد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا مثله، قال ابن الجوزي: الهيثم ضعيف. وأما حديث أبي أمامة فروي من طريقين: إحداهما: قال ابن عدي في الكامل: سمعت عمران السجستاني يقول: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا بقية، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة رفعه: (الأكل في السوق دناءة) قال ابن الجوزي: القاسم وجعفر مجروحان. والثانية: قال العقيلي في الضعفاء: حدثنا أحمد بن داود، حدثنا محمد بن سليمان الوني، حدثنا بقية، عن عمر بن موسى الوجيهي، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا.. مثله. قال ابن الجوزي: الوجيهي كذاب. قال العقيلي: لا يثبت في هذا الباب شيء .

قلت: بل ثبت فيه حديث أبي هريرة وهو الذي أوردناه من طريق الخطيب وهو أمثلها وغاية ما يقال فيه أنه ضعيف لضعف الهيثم، فقد قال الدارقطني: الهيثم بن سهل التستري ضعيف. اهـ .

وما رأيت أحدا وصفه بالكذب، ففي إيراد ابن الجوزي إياه في الموضوعات مناقش فيه، وكذا قول المصنف تبعا لصاحب "القوت " أنه من قول إبراهيم النخعي: ليس بصحيح، وإن كان سمع منه فمن باب الرواية لا أنه من أقواله، وقول صاحب "القوت ": وليس بذاك. يشير إلى أن الراوي عن سعيد بن لقمان وهو محمد بن الفرات كذاب، كما تقدم، وهو قول أحمد وأبي بكر بن أبي شيبة، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقد يقال: إنه روي عن أبي داود صاحب السنن أنه سئل عنه فقال: روي عن محارب بن دثار أحاديث موضوعة، وهذا الحديث ليس من روايته عن محارب، فلا يدخل في خبر الموضوع، فقد يكون الراوي قد تكلم في روايته عن أشخاص خاصة مع أنه له أحاديث عن غيره تكون صالحة، وهذا دقيق جدا وتمييزه صعب، ولما ذكرناه اقتصر الحافظ العراقي في تخريج هذا الكتاب على تضعيف هذا الحديث، ولم يحكم بوضعه، فقال: رواه الطبراني من حديث أبي أمامة وهو ضعيف، ورواه ابن عدي في الكامل من حديثه وحديث أبي هريرة ، وقد نقل ضده عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: (كنا نأكل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام) هكذا رواه صاحب "القوت " قال العراقي : رواه الترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان ، اهـ .

أي: فدل ذلك على جواز الأكل في السوق وهذا عندي فيه نظر إذ غايته أنه أخبر أنهم كانوا يأكلون وهم يمشون ويشربون وهم قيام ولا ينكر عليهم في فعلهم ذاك منكر، أي: فليس الأكل ماشيا والشرب قائما منكرا، بل هو معروف إذ لو كان منكرا لما سكت عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس في هذا ما يدل على جواز الأكل في السوق إلا من طريق العموم، وإلا فليس كل [ ص: 264 ] مشي مشيا إلى السوق، إذا يحتمل أنه يأكل وهو يمشي في بيته إلى المسجد أو غير ذلك، ويصدق على ما إذا كان يمشي وهو في بيته خطوات من غير أن يخرج من بابه على أنه ليس كل طريق سوقا، إنما السوق موضع البيع والشراء والأخذ والعطاء والتجارات والأرباح، فلا يكون ضدا لحديث أبي هريرة السابق فتأمل ذلك .

وفي قوله: " ونشرب ونحن قيام " إشارة إلى جواز الشرب قياما، وسبق النهي عنه، وإن الكباد منه، وسبق كذلك الجمع بينهما فراجعه. (وروى بعض المشايخ المتصوفة المعروفين يأكل في السوق) ولفظ " القوت " وروى بعض الصوفية يمشي في السوق وهو يأكل، وكان ممن يشار إليه، (فقيل له في ذلك فقال: ويحك أجوع في السوق فآكل في البيت) ولفظ " القوت ": فقلت له: يرحمك الله تأكل في السوق ؟ فقال: عافاك الله، فإذا جعت في السوق فآكل في البيت (فقيل: تدخل المسجد، فقال: أستحيي منه أن أدخل بيته للأكل) ولفظ " القوت " قلت: فلو دخلت بعض المساجد، قال: أستحي... إلخ، ثم قال صاحب "القوت ": هذا لأنه رأى الأكل من أبواب الدنيا، فدخل في طريقها، كما قيل: الأسواق موائد الإباق، أبقوا من الخدمة، فجلسوا في الأسواق، وقال المصنف: (ووجه الجمع) بين الحديثين (أن الأكل في السوق تواضع وترك تكلف من بعض الناس وهو حسن) عنده محبوب لديه، ففي الخبر: " أنا وأمتي برآء من التكلف " فإذا كان بهذه النية فليس بدناءة، والأعمال إنما تتميز بنياتها (و) هو بعينه (خرق) حجاب (مروءة من بعض) الناس (فهو مكروه) عنده (ويختلف ذلك بعادات البلاد) ففي مدينة الروم العظمى وصنعاء اليمن يفعلون ذلك من غير كراهة، وفي عامة البلاد يكرهونه، (و) يختلف أيضا باختلاف (أحوال الأشخاص) فمنهم من لا ينظر إليه في ذلك إذا فعل، ومن هذا القسم الملازمون للأسواق طول النهار برسم البيع والشراء، فربما يكون بين بيته والسوق مسافة بعيدة فيقتصر على الأكل في السوق، ولا يأتي منزله إلا آخر النهار، فمثل هؤلاء يباح لهم ذلك ضرورة، وأما من لم تكن له عادة في الخروج إلى السوق ولا في الجلوس بالحوانيت فلا أرى لمثله أن يختار لنفسه الأكل والشرب في السوق ولو جاع أو عطش، بل يصير حتى يأتي منزله، ولا ضرورة يضطر إليها، وإلى هذا التفصيل أشار المصنف بقوله: (فمن لا يليق ذلك بسابق أعماله) أي: لم يكن ممن سبق له العمل بذلك (حمل ذلك على قلة المروءة) وسقوطها ودناءة الهمة (وفرط الشره) والحرص (ويقدح ذلك في الشهادة) والتزكية والعدالة، (ومن يليق ذلك بجميع أفعاله في ترك التكلف كان ذلك منه تواضعا) وهضما للنفس ولا يسقط مقامه بذلك لصدقه في نيته وحسن إخلاصه، ثم إن هذا الذي ذكره المصنف من الأكل في السوق جوازا ومنعا هو أدب شرعي لا مدخل للأطباء فيه، وقد يكون له مدخل في النهي عن الأكل ماشيا وعن الشرب قائما، أما الشرب قائما فقد تقدم أنه منهي شرعا وطبا، وأما الأكل ماشيا فيقولون: إن المعدة لا تتهيأ لتلقي الطعام في حالة المشي فينهون عنه في تلك الحالة، نعم يأمرون بالحركة بعد استقرار الطعام في الجوف كما سيأتي .




الخدمات العلمية