الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فالنكاح بسبب دفع غائلة الشهوة مهم في الدين لكل من لا يؤتى عن عجز وعنة وهم غالب الخلق فإن الشهوة إذا . غلبت ولم يقاومها قوة التقوى جرت إلى اقتحام الفواحش وإليه أشار بقوله عليه الصلاة والسلام عن الله تعالى إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وإن كان ملجما بلجام التقوى فغايته أن يكف الجوارح عن إجابة الشهوة فيغض البصر ويحفظ الفرج، فأما حفظ القلب عن الوسواس والفكر فلا يدخل تحت اختياره بل لا تزال النفس تجاذبه وتحدثه بأمور الوقاع ولا يفتر عنه الشيطان الموسوس إليه في أكثر الأوقات وقد يعرض له ذلك في أثناء الصلاة حتى يجري على خاطره من أمور الوقاع ما لو صرح به بين يدي أخس الخلق لاستحى منه والله مطلع على قلبه والقلب في حق الله كاللسان في حق الخلق ورأس الأمور للمريد في سلوك طريق الآخرة قلبه والمواظبة على الصوم لا تقطع مادة الوسوسة في حق أكثر الخلق إلا أن ينضاف إليه ضعف في البدن وفساد في المزاج ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يتم نسك الناسك إلا بالنكاح .

وهذه محنة عامة قل من يتخلص منها .

قال قتادة في معنى قوله تعالى : ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به هو الغلمة .

وعن عكرمة ومجاهد أنهما قالا في معنى قوله تعالى وخلق الإنسان ضعيفا أنه لا يصبر عن النساء وقال فياض بن نجيح :

إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله .

وبعضهم يقول : ذهب ثلث دينه .

وفي نوادر التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما ومن شر غاسق إذا وقب قال : قيام الذكر وهذه بلية غالبة

التالي السابق


( فالنكاح بسبب دفع غائلة الشهوة مهم في الدين لكل من لا يؤتي عن عجز) عن مؤنة ( وعنة) هي بالضم اسم من عن من امرأته أي بالبناء للمفعول إذا منع عنها بالسحر كما هو سياق الجوهري، واشتهر ذلك في كتب الفقه، ومنهم من قال: لا يقال به عنة وإنه كلام ساقط، وقد أوضحته في شرح القاموس ( وهم غالب الخلق) ومن به عجز أو عنة نادر فيهم، ( فإن الشهوة إن غلبت) في الإنسان ( ولم تقاومها قوة التقوى جرت إلى اقتحام الفواحش) أي: الدخول فيها والتعرض لها. ( وإليه أشار بقوله -صلى الله عليه وسلم-) في الخبر المتقدم ( عن الله تعالى) في كتابه العزيز: إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ، وقد تقدم الكلام عليه ( وإن كان ملجما بلجام التقوى) وساعده التوفيق الرباني ( فغايته أن يكف الجوارح) ويردعها ( عن إجابة الشهوة) وإطاعتها ( بغض البصر وحفظ الفرج) مهما أمكنه ذلك ( فأما حفظ القلب عن الوساوس) المعترضة ( والفكر) المشوشة ( فلا يدخل تحت اختياره) ولا يقدر على دفعها. ( بل لا تزال النفس تجاذبه) وتحاوره ( وتحدثه بأمور الوقاع) أي: الجماع وهيئاته وكيفياته، ( ولا يفتر عنه الشيطان الموسوس إليه) أي: لا يسكن ولا يضعف ( في أكثر الأوقات) هذا دأبه وشأنه، بل ( وقد يعرض له ذلك في أثناء الصلاة) وتضاعيف أنواع العبادات ( حتى يجري على خاطره من أمور الوقاع ما لو صرح به بين يدي أخس الخلق لاستحيا منه) فكيف بين يدي عالم الخلفيات وهو يناجيه ويواجهه ويحادثه، ( والله مطلع على قلبه) وسريرته ( والقلب في حق الله كاللسان في حق الخلق) فمحادثته إياه إنما هو بقلبه كما أن محادثة الخلق تكون باللسان، ( ورأس الأمور مادة الوسوسة في حق أكثر الخلق) فهم لا يخلون عنها ( إلا أن ينضاف إليه ضعف في البدن) أي: في أصل بنيته بطر وعوارض ( وفساد في المزاج) والمزاج كيفية متشابهة من تفاعل عناصر متفقة الأجزاء المماسة بحيث يكسر سورة كل منها سورة الآخر، والفساد الذي يعتريه بحدوث عوارض نفسانية ( ولذلك قال ابن عباس - رضي الله عنه-: لا يتم نسك الناسك إلا بالنكاح) ، وقد تقدم قريبا. ( وهذه محنة عامة) في الناس ( قل من يتخلص منها) إلا من عصمه الله تعالى .

( قال قتادة في معنى قوله تعالى: ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به هو الغلمة) نقله صاحب "القوت "، والغلمة بالضم الشبق وهو عدة الشهوة وقد غلم كفرح إذا اشتدت شهوته واغتلم مثله .

وأخرج ابن جرير عن السدي: ما لا طاقة لنا به قال: من التغليظ والإغلال إلى الغلمة .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول: ما لا طاقة لنا به قال الغربة والغلمة والإنعاظ. وعن عكرمة ومجاهد أنهما قالا في معنى قوله تعالى: ( وخلق الإنسان ضعيفا أنه لا يصبر [ ص: 303 ] عن النساء) نقله صاحب "القوت " وقال الصغاني في العباب: وخلق الإنسان ضعيفا أي: يستميله هواه. ( وقال فياض بن نجيح: إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله، وبعضهم يقول: ذهب ثلث دينه) نقله صاحب "القوت " .

( وفي نوادر التفسير عن ابن عباس رضي الله عنه) قوله تعالى: ( ومن شر غاسق إذا وقب قال: قيام الذكر) نقله صاحب "القوت "، ونقل أيضا النقاش في تفسيره، وفي القاموس في تركيب غسق عن ابن عباس وجماعة ومن شر غاسق إذا وقب أي: من شر الذكر إذا قام. وقال في تركيب (وقب) أي: أير إذا قام، حكاه الغزالي وغيره عن ابن عباس اهـ. وهو من غرائب التفسير ونوادره، والمشهور عن ابن عباس فيه خلاف هذا كما أوضحته في شرح القاموس، وإنما عزاه إلى الغزالي لأنه ما رآه إلا في كتابه، وإلا فالغزالي ناقل عن "القوت " .

( وهذه بلية غالبة) ومحنة عامة .




الخدمات العلمية