الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَإِنْ قُلْتَ : فَلِمَ تَرَكَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ النِّكَاحَ مَعَ فَضْلِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ التَّخَلِّيَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ فَلِمَ اسْتَكْثَرَ رَسُولُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَزْوَاجِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ مَنْ قَدَرَ وَمَنْ قَوِيَتْ مُنَّتُهُ وَعَلَتْ هِمَّتُهُ فَلَا يَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ شَاغِلٌ وَرَسُولُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِالْقُوَّةِ وَجَمَعَ بَيْنَ فَضْلِ الْعِبَادَةِ وَالنِّكَاحِ وَلَقَدْ كَانَ مَعَ تِسْعٍ مِنَ النِّسْوَةِ . مُتَخَلِّيًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَكَانَ قَضَاءُ الْوَطَرِ بِالنِّكَاحِ فِي حَقِّهِ غَيْرَ مَانِعٍ كَمَا لَا يَكُونُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي حَقِّ الْمَشْغُولِينَ بِتَدْبِيرَاتِ الدُّنْيَا مَانِعًا لَهُمْ عَنِ التَّدْبِيرِ حَتَّى يَشْتَغِلُوا فِي الظَّاهِرِ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَقُلُوبُهُمْ مَشْغُوفَةٌ بِهِمَمِهِمْ غَيْرُ غَافِلَةٍ عَنْ مُهِمَّاتِهِمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ لَا يَمْنَعُهُ أَمْرُ هَذَا الْعَالَمِ عَنْ حُضُورِ الْقَلْبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ فِي فِرَاشِ امْرَأَتِهِ . وَمَتَى سُلِّمَ مِثْلُ هَذَا الْمَنْصِبِ لِغَيْرِهِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُغَيِّرَ السَّوَاقِيَ مَا لَا يُغَيِّرُ الْبَحْرَ الْخِضَمَّ . فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ . وَأَمَّا عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ أَخَذَ بِالْحَزْمِ لَا بِالْقُوَّةِ وَاحْتَاطَ لِنَفْسِهِ وَلَعَلَّ حَالَتَهُ كَانَتْ حَالَةً يُؤَثِّرُ فِيهَا الِاشْتِغَالُ بِالْأَهْلِ أَوْ يَتَعَذَّرُ مَعَهَا طَلَبُ الْحَلَالِ أَوْ لَا يَتَيَسَّرُ فِيهَا الْجَمْعُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ ، فَآثَرَ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ وَهُمْ أَعْلَمُ بِأَسْرَارِ أَحْوَالِهِمْ وَأَحْكَامِ أَعْصَارِهِمُ فِي طِيبِ الْمَكَاسِبِ وَأَخْلَاقِ النِّسَاءِ ، وَمَا عَلَى النَّاكِحِ مِنْ غَوَائِلِ النِّكَاحِ وَمَا لَهُ فِيهِ وَمَهْمَا كَانَتِ الْأَحْوَالُ مُنْقَسِمَةً حَتَّى يَكُونَ النِّكَاحُ فِي بَعْضِهَا أَفْضَلَ وَتَرْكُهُ فِي بَعْضِهَا أَفْضَلَ فَحَقُّنَا أَنْ نُنْزِلَ أَفْعَالَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْأَفْضَلِ فِي كُلِّ حَالٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . إتحاف السادة المتقين (فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ تَرَكَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ النِّكَاحَ مَعَ فَضْلِهِ) وَتَخَلَّى لِعِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ ( وَإِنْ كَانَ التَّخَلِّي لِعِبَادَةِ اللَّهِ أَفْضَلَ فَلِمَ اسْتَكْثَرَ رَسُولُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَزْوَاجِ) وَكُلٌّ مِنْ حَالِهِمَا مُنَاقِضٌ لِلْآخَرِ، (فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ مَنْ قَدَرَ) عَلَى ذَلِكَ، (وَمَنْ غَلَبَتْ مُنَّتُهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: قُوَّتُهُ (وَعَلَتْ هِمَّتُهُ) فِي السَّيْرِ إِلَى مَوْلَاهُ، (فَلَا يَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ شَاغِلٌ) ، وَلَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صَارِفٌ، (فَرَسُولُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِالْقُوَّةِ وَجَمَعَ بَيْنَ فَضْلِ الْعِبَادَةِ وَالنِّكَاحِ) وَأَعْطَى مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا الْحَظَّ الْأَوْفَرَ، (وَلَقَدْ كَانَ مَعَ تِسْعٍ مِنَ النِّسْوَةِ) فِي عِصْمَتِهِ وَهُنَّ: سَوْدَةُ ، وَعَائِشَةُ ، وَحَفْصَةُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ ، وَزَيْنَبُ ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَجُوَيْرِيَةُ وَصَفِيَّةُ وَمَيْمُونَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ". هَكَذَا أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ: " وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ ". لَكِنْ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: تَفَرَّدَ بِذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى حَالَتَيْنِ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: تُحْمَلُ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَلَى أَنَّهُ ضَمَّ مَارِيَةَ وَرَيْحَانَةَ إِلَيْهِنَّ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِنَّ لَفْظَ نِسَائِهِ تَغْلِيبًا. اهـ . (مُتَخَلِّيًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ) تَعَالَى (وَكَانَ قَضَاءُ الْوَطَرِ) أَيِ: الْحَاجَةِ (بِالنِّكَاحِ فِي حَقِّهِ غَيْرَ مَانِعٍ) عَنِ الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى (كَمَا لَا يَكُونُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي حَقِّ الْمَشْغُولِينَ بِتَدَبُّرَاتِ الدُّنْيَا مَانِعًا لَهُمْ عَنِ التَّدَبُّرِ) الْمَذْكُورِ (حَتَّى يَشْتَغِلُوا فِي الظَّاهِرِ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ) فِيمَا يَرَى، (وَقُلُوبُهُمْ مُسْتَغْرِقَةٌ بِهِمَمِهِمْ غَيْرُ غَافِلَةٍ عَنْ مُهِمَّاتِهِمْ) وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَنَا أُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ ، وَنَقَلَ الشِّهَابُ السَّهْرَوَرْدِيُّ فِي الْعَوَارِفِ عَنْ عَمِّهِ أَبِي النَّجِيبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَنَا آكُلُ وَأَنَا أُصَلِّي، يُشِيرُ بِهِ إِلَى أَكْلِهِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ حُضُورِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي آحَادِ أُمَّتِهِ فَكَيْفَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ) وَرِفْعَةِ مَقَامِهِ وَجَلَالَةِ مَنْصِبِهِ (لَا يَمْنَعُهُ أَمْرُ هَذَا الْعَالَمِ) أَيْ: عَالَمِ الْمُلْكِ (مِنْ حُضُورِ الْقَلْبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى) وَشُهُودِهِ فِي حَضْرَةِ الْمُعَايَنَةِ وَمِنْ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ (كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ فِي فِرَاشِ امْرَأَتِهِ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرَهَا (وَمَتَى يُسَلِّمُ مِثْلَ هَذَا الْمَنْصِبِ لِغَيْرِهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُغَيِّرَ السَّوَاقِيَ) وَهِيَ الْخُلْجَانُ الصِّغَارُ الَّتِي تَسْتَقِي مِنَ الْبَحْرِ الْعَظِيمِ (مَا لَا يُغَيِّرُ الْبَحْرَ الْعَظِيمَ) وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ: وَمِنْ وَرْدِ الْبَحْرِ اسْتَقَلَّ السَّوَاقِيَا ( فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) ، وَمِنْ هُنَا لَمَّا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إِنَّ النِّكَاحَ شَهْوَةٌ لَا عِبَادَةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ نَصُّ الْأُمِّ ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: هُوَ عِبَادَةٌ. اسْتَثْنَى التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ مِنَ الْخِلَافِ نِكَاحَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ قَطْعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ . (وَأَمَّا عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَسَلَامُهُ (فَأَخَذَ بِالْحَزْمِ) لِنَفْسِهِ لَا بِالْقُوَّةِ (وَاحْتَاطَ لِنَفْسِهِ) أَيْ: أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ، (وَلَعَلَّ حَالَتَهُ) الَّتِي كَانَ مُتَّصِفًا بِهَا (كَانَتْ حَالَةً يُؤَثِّرُ فِيهَا الِاشْتِغَالُ بِالْأَهْلِ أَوْ يَتَعَذَّرُ مَعَهَا طَلَبُ الْحَلَالِ أَوْ لَا يَتَيَسَّرُ فِيهَا الْجَمْعُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ، فَآثَرَ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ وَهُمْ) صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ (أَعْلَمُ بِأَسْرَارِ أَحْوَالِهِمْ) وَبَوَاطِنِ مُعَامَلَاتِهِمْ (وَأَحْكَامِ أَعْصَارِهِمُ) الَّتِي كَانُوا فِيهَا (فِي طِيبِ الْمَكَاسِبِ وَأَخْلَاقِ النِّسَاءِ، وَمَا عَلَى النَّاكِحِ مِنْ غَوَائِلِ النِّكَاحِ) وَآفَاتِهِ ( وَمَا لَهُ فِيهِ) مِنَ الْفَوَائِدِ وَالْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ، ( وَمَهْمَا كَانَتِ الْأَحْوَالُ مُنْقَسِمَةً حَتَّى يَكُونَ النِّكَاحُ فِي بَعْضِهَا أَفْضَلَ وَ) يَكُونَ ( تَرْكُهُ فِي بَعْضِهَا أَفْضَلَ فَحَقُّنَا أَنْ نُنْزِلَ أَفْعَالَ الْأَنْبِيَاءِ) عَلَيْهِمُ السَّلَامُ (عَلَى الْأَفْضَلِ فِي كُلِّ حَالٍ) ، فَنَقُولُ: حَالُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْضَلُ فِي شَرِيعَتِهِ، وَقَدْ نُسِخَتِ الرَّهْبَانِيَّةُ فِي مِلَّتِنَا، وَكُلٌّ مِنَ الْحَالَيْنِ لَهُ فَضِيلَةٌ ، وَإِذَا تَعَارَضَا قُدِّمَ التَّمَسُّكُ بِحَالِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية