الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  5947 2 - حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا الحسين، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن بشير بن كعب العدوي قال: حدثني شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي؛ فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح؛ فهو من أهل الجنة.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "سيد الاستغفار"؛ لأن السيد في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج ويرجع إليه في الأمور، ولما كان هذا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها؛ استعير له هذا الاسم، ولا شك أن سيد القوم أفضلهم، وهذا الدعاء أيضا سيد الأدعية، وهو الاستغفار.

                                                                                                                                                                                  وأبو معمر، بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد، وعبد الوارث بن سعيد العنبري البصري، والحسين هو ابن ذكوان المعلم، وعبد الله بن بريدة، بضم الباء الموحدة وفتح الراء، ابن الحصيب الأسلمي، وبشير، بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة، ابن كعب العدوي، وشداد، بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى، ابن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام، بمهملتين، الأنصاري ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر، وشداد صحابي جليل نزل الشام وكنيته أبو يعلى، واختلف في صحبة أبيه، وليس لشداد في البخاري إلا هذا الحديث.

                                                                                                                                                                                  وأخرجه النسائي أيضا في الاستعاذة عن عمرو بن علي، وفي اليوم والليلة عنه أيضا.

                                                                                                                                                                                  قوله: " سيد الاستغفار"؛ قيل: ما الحكمة في كونه سيد الاستغفار؟ وأجيب بأنه وأمثاله من التعبديات، والله تعالى أعلم بذلك، لكن لا شك أن فيه ذكر الله تعالى بأكمل الأوصاف وذكر نفسه بأنقص الحالات، وهو أقصى غاية التضرع ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو. قوله: "أن تقول" بصيغة المخاطب، وقال بعضهم: أن يقول؛ أي: العبد، واعتمد لما قاله على ما رواه أحمد والنسائي أن سيد الاستغفار أن يقول العبد، وذكر أيضا ما رواه الترمذي عن شداد: ألا أدلك على سيد الاستغفار؟ قلت: رواية أحمد لا تستلزم أن يقدر هنا، أي: العبد على أن التقدير خلاف الأصل، ورواية الترمذي تؤيد ما ذكرنا وتدفع ما قاله على ما لا يخفى.

                                                                                                                                                                                  قوله: "لا إله إلا أنت خلقتني" ويروى: لا إله إلا أنت أنت خلقتني. قوله: "وأنا عبدك"؛ قال الطيبي: يجوز أن تكون حالا مؤكدة، ويجوز أن تكون مقررة؛ أي: أنا عابد لك، ويؤيده عطف قوله: "وأنا على عهدك" وسقطت الواو منه في رواية النسائي، وقال الخطابي: يريد: أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك وإصلاح الطاعة لك. قوله: "ما استطعت"؛ أي: قدر استطاعتي، وشرط الاستطاعة في ذلك الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى، وقال ابن بطال: قوله: "وأنا على عهدك ووعدك" يريد به العهد الذي أخذه الله على عباده؛ حيث أخرجهم أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم فأقروا له بالربوبية وأذعنوا له بالوحدانية، وبالوعد ما قال على لسان نبيه أن من مات لا يشرك بالله شيئا وأدى ما افترض عليه أن يدخله الجنة، وقيل: وأدى ما افترض عليه زيادة ليست بشرط في هذا المقام. قلت: إن لم تكن شرطا في هذا فهي شرط في غيره، وقال الطيبي: يحتمل أن يراد بالعهد والوعد ما في الآية المذكورة. قوله: "أبوء" من قولهم: باء بحقه؛ أي: أقر به، وقال الخطابي: يريد به الاعتراف، ويقال: قد باء فلان بذنبه؛ إذا احتمله كرها لا يستطيع دفعه عن نفسه. قوله: "لك" ليست في رواية النسائي، وقال الطيبي: اعترف أولا بأنه أنعم عليه ولم يقيده [ ص: 279 ] ليشمل جميع أنواع النعم مبالغة، ثم اعترف بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شكرها، ثم بالغ فعده ذنبا مبالغة في التقصير وهضم النفس. قوله: "من قالها موقنا"؛ أي: مخلصا من قلبه مصدقا بثوابها. قوله: "ومن قالها من النهار" وفي رواية النسائي: فمن قالها. قوله: "فمن أهل الجنة" وفي رواية النسائي: دخل الجنة، وفي رواية عثمان بن ربيعة: إلا وجبت له الجنة، قيل: المؤمن وإن لم يقلها فهو من أهل الجنة، وأجيب بأنه يدخلها ابتداء من غير دخول النار; لأن الغالب أن الموقن بحقيقتها المؤمن بمضمونها لا يعصي الله تعالى، أو لأن الله يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية