الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  5489 44 - حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، حدثه أن أبا الأسود الدؤلي حدثه أن أبا ذر رضي الله عنه حدثه قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. [ ص: 8 ] قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر. وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر. قال أبو عبد الله: هذا عند الموت أو قبله، إذا تاب وندم، وقال: لا إله إلا الله، غفر له.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في قوله:: " أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه ثوب أبيض ".

                                                                                                                                                                                  وأبو معمر - بفتح الميمين- عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المقعد البصري، وعبد الوارث بن سعيد، والحسين هو المعلم، وعبد الله بن بريدة - بضم الباء الموحدة وفتح الراء- القاضي بمرو، ويحيى بن يعمر، بلفظ مضارع العمارة، بفتح الميم، كان أيضا قاضيا بها، وأبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي - بضم الدال المهملة وفتح الهمزة - وهو أول من تكلم في النحو بإشارة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

                                                                                                                                                                                  والرجال كلهم بصريون، وأبو ذر جندب بن جنادة.

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه مسلم في الإيمان، عن زهير بن حرب وغيره.

                                                                                                                                                                                  قوله: " وعليه ثوب أبيض" الواو فيه للحال، وفائدته ذكر الثوب والنوم والاستيقاظ لتقرير التثبت والإتقان فيما يرويه في آذان السامعين ليتمكن في قلوبهم.

                                                                                                                                                                                  قوله: " وإن زنى" حرف الاستفهام فيه مقدر، والمعاصي نوعان: ما يتعلق بحق الله تعالى كالزنا، وبحق الناس كالسرقة.

                                                                                                                                                                                  قوله: " على رغم أنف أبي ذر" من رغم؛ إذا لصق بالرغام، وهو التراب، ويستعمل مجازا بمعنى كره، أو ذل; إطلاقا لاسم السبب على المسبب، وأما تكرير أبي ذر؛ فلاستعظام شأن الدخول مع مباشرة الكبائر وتعجبه منه، وأما تكرير النبي - صلى الله عليه وسلم - فلإنكار استعظامه وتحجيره واسعا; فإن رحمته واسعة على خلقه. وأما حكاية أبي ذر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " على رغم أنف أبي ذر " فللشرف والافتخار.

                                                                                                                                                                                  وفيه أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان، وأنها لا تحبط الطاعة، وأن صاحبها لا يخلد في النار، وأن عاقبته دخول الجنة، قال الكرماني: مفهوم الشرط أن من لم يزن لم يدخل الجنة، وأجاب بقوله: هذا الشرط للمبالغة، فالدخول له بالطريق الأولى، نحو: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

                                                                                                                                                                                  قوله: " قال أبو عبد الله" هو البخاري نفسه.

                                                                                                                                                                                  قوله: " هذا " أشار به إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة" وأراد به تفسير هذا الحديث، وهو أنه محمول على أن من وحد ربه، ومات على ذلك تائبا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث دخل الجنة، وقال ابن التين: قول البخاري هذا خلاف ظاهر الحديث، ولو كانت التوبة شرطا لم يقل: وإن زنى وإن سرق، والحديث على ظاهره، وإن مات مسلما دخل الجنة قبل النار أو بعدها. انتهى. قلت: نعم، ظاهر قول البخاري أنه لم يوجب المغفرة إلا لمن تاب، فظاهر هذا يوهم إنفاذ الوعيد لمن لم يتب، وأيضا يحتاج تفسير البخاري إلى تفسير آخر; وذلك أن التوبة والندم إنما ينفع في الذنب الذي بين العبد وربه. وأما مظالم العباد فلا تسقطها عنه التوبة إلا بردها إليهم أو عفوهم، ومعنى الحديث أن من مات على التوحيد دخل الجنة وإن ارتكب الذنوب، ولا يخلد في النار.

                                                                                                                                                                                  وفيه رد على المبتدعة من الخوارج والمعتزلة الذين يدعون وجوب خلود من مات من مرتكبي الكبائر من غير توبة في النار.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية