الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  5557 112 - حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: أرسلني أهلي إلى أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح من ماء - وقبض إسرائيل ثلاث أصابع - من فضة فيه شعر من شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مخضبه، فاطلعت في الجلجل، فرأيت شعرات حمرا.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: " شعرات حمرا"؛ لأنه يدل على الشيب. ومالك بن إسماعيل هو ابن غسان النهدي، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وعثمان بن عبد الله بن موهب - بفتح الميم والهاء - الأعرج التيمي، مولى آل طلحة، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر سبق في الحج، وأم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - هند بنت أبي أمية.

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه ابن ماجه في اللباس أيضا، عن أبي بكر بن أبي شيبة.

                                                                                                                                                                                  قوله: " أهلي" يحتمل أن يكون امرأته.

                                                                                                                                                                                  قوله: " وقبض إسرائيل ثلاث أصابع " إسرائيل هو الراوي المذكور، وقال بعضهم: فيه إشارة إلى صغر القدح، قال: وزعم الكرماني أنه عبارة عن عدد إرسال عثمان إلى أم سلمة، وهو بعيد. انتهى. قلت: الذي قاله هذا القائل هو البعيد; لأن القدح قدر ثلاث أصابع، صغير جدا، فماذا يسع فيه من الماء حتى يرسل به؟ والتصرف بالأصابع غالبا يكون في العدد.

                                                                                                                                                                                  قوله: " من فضة " بكسر الفاء وتشديد [ ص: 49 ] الضاد المعجمة، وهي صفة لـ"قدح".

                                                                                                                                                                                  قوله: " فيه" بتذكير الضمير رواية الكشميهني. وفي رواية غيره: "فيها" بالتأنيث، ووجهه أن القدح إذا كان فيه مائع يسمى كأسا، والكأس مؤنث، هكذا قيل وفيه تأمل. قال الكرماني: فإن قلت: القدح من الفضة حرام على الرجال والنساء. قلت: أي مموه بالفضة، وقال بعضهم: هذا ينبني على أن أم سلمة كانت لا تجيز استعمال آنية الفضة في غير الأكل والشرب، ومن أين له ذلك وقد أجاز جماعة من العلماء استعمال الإناء الصغير من الفضة في غير الأكل؟! انتهى. قلت: قوة دين أم سلمة، وشدة تورعها يقتضي أنها لا تجيز استعمال الآنية من الفضة مطلقا، فكيف يقول: ومن أين له ذلك أنها تجيز استعمال الإناء من الفضة؟ وله أن يقول له: ومن أين لك أنها لا تجيز استعمال الإناء من الفضة الخالصة في غير الأكل؟

                                                                                                                                                                                  وأما المموه فحكم الفضة فيه حكم العدم، إلا إذا كان يخلص شيء من ذلك بعد الإذابة، وقوله: وقد أجاز جماعة.. إلى آخره - لا يستلزم تجويز أم سلمة ما أجازه هؤلاء. ومن هم هؤلاء الجماعة المبهمة حتى يكون سندا لدعواه؟

                                                                                                                                                                                  وقالت الشراح: اختلف في ضبط "فضة" هل هو بفاء مكسورة وضاد معجمة، أو بقاف مضمومة وصاد مهملة؟ وقال بعضهم: فإن كان بالقاف والمهملة؛ فهو من صفة الشعر على ما في التركيب من قلق؛ ولهذا قال الكرماني: عليك بتوجيهه ويظهر أن "من" سببية، أي: أرسلني بقدح من ماء بسبب قصة فيها شعر. انتهى.

                                                                                                                                                                                  قلت: أما الكرماني؛ فإنه اعترف بعجزه عن حل هذا. وأما هذا القائل؛ فإنه اعترف أن في هذا التركيب قلق، ثم فسره بما هو أقلق من ذاك وأبعد من المراد، مثل بعد الثرى من الثريا; لأن قوله: "من سببية" غير صحيح، بل هي بيانية، تبين جنس القدح الذي أرسله أهل عثمان بن عبد الله إلى أم سلمة. وفيه شعر من شعر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وبيان ذلك على التحرير: أن أم سلمة كان عندها شعرات من شعر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - حمر في شيء مثل الجلجل، وكان الناس عند مرضهم يتبركون بها ويستشفون من بركتها ويأخذون من شعره، ويجعلونه في قدح من الماء، فيشربون الماء الذي فيه الشعر فيحصل لهم الشفاء، وكان أهل عثمان أخذوا منها شيئا وجعلوه في قدح من فضة فشربوا الماء الذي فيه فحصل لهم الشفاء، ثم أرسلوا عثمان بذلك القدح إلى أم سلمة فأخذته أم سلمة ووضعته في الجلجل، فاطلع عثمان في الجلجل فرأى فيه شعرات حمرا.

                                                                                                                                                                                  قوله: " وكان إذا أصاب الإنسان.." إلى آخره، كلام عثمان بن عبد الله بن موهب، أي: كان أهلي، كذا فسره الكرماني، وقال بعضهم: وكان – أي: الناس - إذا أصاب الإنسان – أي: منهم - والذي قاله الكرماني أصوب، يبين به أن الإنسان إذا أصابه عين، أو شيء من الأمراض بعث أهله إليها، أي إلى أم سلمة. "مخضبة" بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة وبالباء الموحدة، وهي الإجانة، ويجعل فيها ماء وشيء من الشعر المبارك ويجلس فيها فيحصل له الشفاء، ثم يرد الشعر إلى الجلجل، وهو بضم الجيمين واحد الجلاجل؛ شيء يتخذ من الفضة، أو الصفر، أو النحاس. وقيل: يروى: "الجحل"، بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة، وفسر بالسقاء الضخم، والظاهر أنه تصحيف. وأما القصة بالقاف والصاد المهملة التي أشكلت على الشراح...




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية