الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ) لما تقدم تحريم نكاح امرأة الأب على ابنه وليست أمه ، كان تحريم أمه أولى بالتحريم . وليس هذا من المجمل ، بل هذا مما حذف منه المضاف لدلالة المعنى عليه ؛ لأنه إذا قيل : حرم عليك الخمر ، إنما يفهم منه شربها . وحرمت عليك الميتة ، أي : أكلها . وهذا من هذا القبيل ، فالمعنى : نكاح أمهاتكم . ولأنه قد تقدم ما يدل عليه وهو قوله : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) .

وقال محمد بن عمر الرازي : فيها عندي بحث من وجوه : أحدها : أن بناء الفعل للمفعول لا تصريح فيه بأن المحرم هو الله . وثانيها : أن حرمت لا يدل على التأبيد ، إذ يمكن تقسيمه إلى المؤبد والمؤقت . وثالثها : أن عليكم خطاب مشافهة ، فيختص بالحاضرين . ورابعها : أن حرمت ماض ، فلا يتناول الحال والمستقبل . وخامسها : أنه يقتضي أنه يحرم على كل أحد جميع أمهاتهم . وسادسها : أن حرمت يشعر ظاهره بسبق الحل ، إذ لو كان حراما لما قيل : حرمت . وثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب انتهى ملخصا .

وهذه البحوث التي ذكرها لا تختص بهذا الموضع ولا طائل فيها ، إذ من البواعث على حذف الفاعل العلم به ، ومعلوم أن المحرم هو الله تعالى . ألا ترى إلى آخر الآية وهو قوله : ( وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما ) وقال بعد : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) على قراءة من بناه للفاعل . ومتى جاء التحريم من الله فلا يفهم منه إلا التأبيد ، فإن كان له حالة إباحة نص عليها كقوله : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) وأما أنه صيغة ماض فيخصه فالأفعال التي جاءت يستفاد منها الأحكام الشرعية ، وإن كانت بصيغة الماضي فإنها لا تخصه ، فإنها نظير أقسمت لأضربن زيدا لا يراد بها أنه صدر منه إقسام في زمان ماض . فإن كان الحكم ثابتا قبل ورود الفعل ففائدته تقرير ذلك الحكم الثابت ، وإن لم يكن ثابتا ففائدته إنشاء ذلك الحكم وتجديده . وأما أن الظاهر أنه يحرم على كل أحد جميع أمهاتهم فليس بظاهر ، ولا مفهوم من اللفظ ؛ لأن عليكم أمهاتكم عام يقابله عام ، ومدلول العموم أن تقابل كل واحد بكل واحد واحد . أما أن يأخذ ذلك على طريق الجمعية فلا ؛ لأنها ليست دلالة العام . [ ص: 210 ] فإنما المفهوم : حرم على كل واحد واحد منكم كل واحدة واحدة من أم نفسه . والمعنى : حرم على هذا أمه ، وعلى هذا أمه ، والأم المحرمة شرعا هي كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك ، أو من جهة أمك . ولفظ الأم حقيقة في التي ولدتك نفسها . ودلالة لفظ الأم على الجدة إن كان بالتواطؤ أو بالاشتراك ، وجاز حمله على المشتركين ، كان حقيقة ، وتناولها النص . وإن كان بالمجاز وجاز حمله على الحقيقة والمجاز ، فكذلك ، وإلا فيستفاد تحريم الجدات من الإجماع أو من نص آخر .

وحرمة الأمهات والبنات كانت من زمان آدم عليه السلام إلى زماننا هذا ، وذكروا أن سبب هذا التحريم : أن الوطء إذلال وامتهان ، فصينت الأمهات عنه ، إذ إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الإنعام .

والبنت المحرمة كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو ذكور ، وبنت البنت هل تسمى بنتا حقيقة ، أو مجازا ، الكلام فيها كالكلام في الجدة ، وقد كان في العرب من تزوج ابنته وهو حاجب بن زرارة تمجس ، ذكر ذلك النضر بن شميل في كتاب المثالب .

( وأخواتكم ) الأخت المحرمة كل من جمعك وإياها صلب أو بطن .

التالي السابق


الخدمات العلمية