الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ثم صرفكم عنهم ) أي جعلكم تنصرفون . ( ليبتليكم ) أي ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان عندها . وقيل : صرفكم عنهم ، أي لم تتماد الكسرة عليكم فيستأصلوكم . وقيل : المعنى لم يكلفكم طلبهم عقيب انصرافهم . وتأولته المعتزلة على معنى : ثم انصرفتم عنهم ، فإضافته إلى الله تعالى بإخراجه الرعب من قلوب الكافرين ابتلاء للمؤمنين . وقيل : معنى ليبتليكم أي لينزل بكم ذلك البلاء من القتل والتمحيص . ( ولقد عفا عنكم ) قيل : عن عقوبتكم على فراركم ، ولم يؤاخذكم به . وقيل : برد العدو عنكم . وقيل : بترك الأمر بالعود إلى قتالهم من فوركم . وقيل : بترك الاستئصال بعد المعصية والمخالفة . فمعنى [ ص: 80 ] عفا عنكم : أبقى عليكم .

قال الحسن : قتل منهم جماعة سبعون ، وقتل عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وشج وجهه وكسرت رباعيته ، وإنما العفو إن لم يستأصلهم هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي سبيل الله غضاب لله يقاتلون أعداء الله ، نهوا عن شيء فضيعوه ، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم ، يا فسق الفاسقين ! اليوم يحل كل كبيرة ، ويركب كل داهية ويسحب عليها ثيابه ، ويزعم أن لا بأس عليه ، فسوف يعلم . انتهى كلام الحسن . والظاهر أن العفو إنما هو عن الذنب ، أي لم يؤاخذكم بالعصيان . ويدل عليه قرينة قوله : وعصيتم . والمعنى : أن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل بكم ، فعفا عنكم ، فهو إخبار بالعفو عما كان يستحق بالذنب من العقاب . وقال بهذا ابن جريج ، وابن إسحاق ، وجماعة . وفيه مع ذلك تحذير . ( والله ذو فضل على المؤمنين ) أي في الأحوال ، أو بالعفو .

وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع ضروبا : من ذلك الاستفهام الذي معناه الإنكار في : أم حسبتم . والتجنيس المماثل في : انقلبتم ، ومن ينقلب ، وفي : ثواب الدنيا وحسن ثواب . والمغاير في قولهم : إلا أن قالوا . وتسمية الشيء باسم سببه في : تمنون الموت أي الجهاد في سبيل الله ، وفي قوله : وثبت أقدامنا فيمن فسر ذلك بالقلوب ؛ لأن ثبات الأقدام متسبب عن ثبات القلوب . والالتفات في : وسنجزي الشاكرين . والتكرار في : ولما يعلم ، ويعلم ؛ لاختلاف المتعلق ، أو للتنبيه على فضل الصابر . وفي : أفإن مات أو قتل ؛ لأن العرف في الموت خلاف العرف في القتل ، والمعنى : مفارقة الروح الجسد ، فهو واحد . ومن في " ومن يرد ثواب " الجملتين ، وفي : ذنوبنا وإسرافنا في قول من سوى بينهما ، وفي : " ثواب " و " حسن الثواب " . وفي : لفظ الجلالة ، وفي : " منكم من يريد " ، الجملتين . والتقسيم في : " ومن يرد " وفي " منكم من يريد " . والاختصاص في : الشاكرين ، والصابرين ، والمؤمنين . والطباق في : " آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا " . والتشبيه في : يردوكم على أعقابكم ، شبه الرجوع عن الدين بالراجع القهقرى والذي حبط عمله بالكفر بالخاسر الذي ضاع ربحه ورأس ماله ، وبالمنقلب الذي يروح في طريق ويغدو في أخرى ، وفي قوله : سنلقى . وقيل : هذا كله استعارة . والحذف في عدة مواضع .

التالي السابق


الخدمات العلمية