الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) قال ابن عباس وقتادة ، والنخعي ، والسدي ، وعكرمة وغيرهم : المعنى إن كان هذا المقتول خطأ رجلا مؤمنا قد آمن ، وبقي في قومه ، وهم كفرة عدو لكم فلا دية فيه ؛ وإنما كفارته تحرير رقبة . والسبب عندهم في نزولها : أن جيوش المسلمين كانت تمر بقبائل الكفرة ؛ فربما قتل من آمن ولم يهاجر ، أو من هاجر ثم رجع إلى قومه ؛ فيقتل في حملات الحرب على أنه من الكفار ؛ فنزلت الآية . وسقطت الدية عند هؤلاء ; لأن أولياء المقتول كفرة ؛ فلا يعطون ما يتقوون به . ولأن حرمته إذا آمن ولم يهاجر قليلة فلا دية . وإذا قتل مؤمن في بلاد المسلمين ، وقومه حرب ، ففيه الدية لبيت المال والكفارة . وقالت فرقة : الوجه في سقوط الدية أن أولياءه كفار ؛ سواء أكان القتل خطأ بين أظهر المسلمين وبين قومه ، ولم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه ، وكفارته ليس إلا التحرير ; لأنه إن قتل بين أظهر قومه فهو مسلط على نفسه ، أو بين أظهر المسلمين ؛ فأهله لا يستحقون الدية ، ولا المسلمون ; لأنهم ليسوا أهله ، فلا تجب على الحالين ؛ هذا قول مالك ، والأوزاعي ، والثوري ، والشافعي وأبي ثور . وقال إبراهيم : المؤمن المقتول خطأ إن كان قومه المشركون ليس بينهم وبين النبي عهد ؛ فعلى قاتله تحرير رقبة ، أو كان فتؤدى ديته لقرابته المعاهدين .

قال بعض المصنفين : اختلفت فقهاء الأمصار في من أسلم في دار الحرب وقتل قبل أن يهاجر ؛ فقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف في المشهور عنه : إن قتله مسلم مستأمن فكفارة الخطأ ، أو كانا مستأمنين فعلى القاتل الدية وكفارة الخطأ ، أو أسيرين فعلى القاتل كفارة الخطأ في قول أبي حنيفة . وقال محمد وأبو يوسف : الدية في العمد والخطأ . وقال مالك : على قاتل من أسلم في دار الحرب ولم يخرج الدية والكفارة إن كان خطأ . والآية إنما كانت في صلح النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة ; لأنه من لم يهاجر لم يورث ; لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة . وقال الحسن بن صالح : إذا أقام بدار الحرب ، وهو قادر على الخروج حكم عليه بما يحكم على أهل الحرب في نفسه ، وماله ؛ وإذا لحق بدار الحرب ، ولم يرتد عن الإسلام فهو مرتد بتركه دار الإسلام . وقال الشافعي : إذا قتل مسلما في دار الحرب في الغارة ، وهو لا يعلمه مسلما فلا عقل فيه ولا قود ، وعليه الكفارة . وسواء أكان المسلم أسيرا ، أو مستأمنا أو رجلا أسلم هناك ؛ وإن علمه مسلما فقتله ، فعليه القود انتهى ما نقله هذا المصنف . والذي يظهر من مدلول هذه الجمل أن الله تعالى بين أحكام المؤمن المقتول خطأ في هذه الجمل الثلاث ; ولذلك قابلها بقوله : ومن يقتل مؤمنا متعمدا ؛ فهو المؤمن المقتول خطأ إن كان أهله مؤمنين أو معاهدين ؛ فالتحرير والدية . ونزل المعاهدون في أخذ الدية منزلة المؤمنين ; لأن أحكام المؤمنين جارية عليهم ، وإن كان أهله حربيين ، فالتحرير فقط .

( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ) قال الحسن ، وجابر بن زيد ، وإبراهيم وغيرهم : وإن كان المقتول خطأ [ ص: 325 ] مؤمنا من قوم معاهدين لكم ؛ فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم ؛ وكفارته التحرير وأداء الدية إليهم . وقال النخعي : ميراثه للمسلمين . وقرأها الحسن ، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ، وهو مؤمن . وبهذا قال مالك . وقال ابن عباس ، والشعبي ، وإبراهيم أيضا والزهري : المقتول من أهل العهد خطأ ؛ كان مؤمنا أو كافرا على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم والتحرير .

واختلف على هذا في دية المعاهد . فقال أبو حنيفة وغيره : ديته كدية المسلم . وروي ذلك عن أبي بكر وعمر . وقال مالك وأصحابه : نصف دية المسلم . وقال الشافعي وأبو ثور : ثلث دية المسلم . والذي يظهر من دلالة ( من ) التبعيضية أنها قيد في الجملة الأولى بكونه من قوم عدو ، وقيد في الجملة الثانية بكونه من قوم معاهدين ؛ والمعنى في النسب لا في الدين ; لأنه مؤمن وهم كفار . فإذا تقيدت هاتان الجملتان دل ذلك على تقييد الأولى بأن يكون من المؤمنين في النسب ، وهي من قتل مؤمنا خطأ ؛ كأنه قال : وأهله مؤمنون لا حربيون ولا معاهدون . ولا يمكن حمله على الإطلاق للتعارض والتعاند الذي بينه وبين الآيتين بعد .

وقال أبو بكر الرازي : قوله : وإن كان من قوم عدو لكم استئناف كلام لم يتقدم له ذكر في الخطاب ; لأنه لا يجوز أعط هذا رجلا وإن كان رجلا فأعطه ؛ فهذا كلام فاسد لا يتكلم به حكيم ؛ فثبت أن هذا المؤمن المعطوف على الأول غير داخل في الخطاب . ثم قال : ظاهر الآية يعني : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق يقتضي أن يكون المقتول المذكور في الآية ذا عهد ، وأنه غير جائز إضمار الإيمان له إلا بدلالة . ويدل عليه : أنه لما أراد مؤمنا من أهل دار الحرب ، ذكر الإيمان ، فقال : وهو مؤمن ; لأنه لو أطلق لاقتضى الإطلاق أن يكون كافرا من قوم عدو لكم . انتهى كلامه .

أما قوله : استئناف لم يتقدم له ذكر في الخطاب ؛ فليس بصحيح ، بل تقدم له ذكر في الخطاب في قوله : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ ولكنه ليس استئنافا ؛ إنما هو من باب التقسيم كما ذكرناه . بدأ أولا بالأشرف ، وهو المؤمن وأهله مؤمنون ليسوا بحربيين ولا معاهدين . وأما قوله ; لأنه لا يجوز أعط هذا رجلا ، وإن كان رجلا فأعطه ؛ فهذا ليس نظير الآية بوجه ؛ وإنما الضمير في كان عائد على المقتول خطأ المؤمن إذا كان من قوم عدو لكم . وجاء قوله : وهو مؤمن على سبيل التوكيد لا سبيل التقييد ; إذ القيد مفهوم مما قبله في الاستثناء ، وفي جملة الشرط . وقوله : ويدل عليه إلى آخره ، لا يدل عليه لما ذكرنا أن الحال مؤكدة ؛ وفائدة تأكيدها أن لا يتوهم أن الضمير يعود على مطلق المقتول ، لا بقيد الإيمان . وقوله لأنه لو أطلق لاقتضى الإطلاق أن يكون كافرا من قوم عدو ؛ وليس كذلك بل لو لم يأت بقوله : وهو مؤمن ؛ لكان الضمير الذي في كان عائدا على المقتول خطأ ; لأنه لم يجرد ذكر لغيره ؛ فلا يعود الضمير على غير من لم يجر له ذكر ، ويترك عوده على ما يجري عليه ذكر .

( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) يعني رقبة لم يملكها ، ولا وجد ما يتوصل به إلى ملكها ؛ فعليه صيام شهرين متتابعين . وظاهر الآية يقضي أنه لا يجب غير ذلك ; إذ لو وجبت الدية لعطفها على الصيام وإلى هذا ذهب الشعبي ومسروق ، وذهب الجمهور : إلى وجوب الدية . قال ابن عطية : وما قاله الشعبي ومسروق وهم ; لأن الدية إنما هي على العاقلة ؛ وليست على القاتل انتهى . وليس بوهم ؛ بل هو ظاهر الآية كما ذكرناه .

ومعنى التتابع : لا يتخللها فطر . فإن عرض حيض في أثنائه لم يعد قاطعا بإجماع . وليس له أن يسافر فيفطر ، والمرض كالحيض عند : ابن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والحسن ، والشعبي ، وعطاء ، ومجاهد ، وقتادة ، وطاوس ، ومالك . وقال ابن جبير ، والنخعي ، والحكم بن عتيبة ، وعطاء الخراساني ، والحسن بن حي ، وأبو حنيفة وأصحابه : يستأنف إذا أفطر لمرض . وللشافعي القولان . وقال [ ص: 326 ] ابن شبرمة : يقضي ذلك اليوم وحده إن كان عذر غالب كصوم رمضان .

( توبة من الله ) انتصب على المصدر أي رجوعا منه إلى التسهيل والتخفيف ؛ حيث نقلكم من الرقبة إلى الصوم . أو توبة من الله ; أي قبولا منه ورحمة من تاب الله عليه إذا قبل توبته . ودعا تعالى قاتل الخطأ إلى التوبة ; لأنه لم يتحرز ، وكان من حقه أن يتحفظ .

( وكان الله عليما حكيما ) أي عليما بمن قتل خطأ ، حكيما حيث رتب ما رتب على هذه الجناية على ما اقتضته حكمته تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية