الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) الإحصان : التزوج ، أو الحرية ، أو الإسلام ، أو العفة . وعلى هذه المعاني تصرفت هذه اللفظة في القرآن ، ويفسر كل مكان بما يناسبه منها . وروى أبو سعيد أن الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس ، فلقوا عدوا وأصابوا سبيا لهن أزواج من المشركين ، فتأثم المسلمون من غشيانهن ، فنزلت . فالمحصنات هنا المزوجات . والمستثنى هو السبايا ، فإذا وقعت في سهمه من لها زوج فهي حلال له ، وإلى هذا ذهب أبو سعيد ، وابن عباس ، وأبو قلابة ، و مكحول ، والزهري ، وابن زيد ، وهذا كما قال الفرزدق :


وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبني بها لم تطلق



وقيل : المحصنات المزوجات ، والمستثنى هن الإماء ، فتحرم المزوجات إلا ما ملك منهن بشراء ، أو هبة ، أو صدقة ، أو إرث . فإن مالكها أحق ببضعها من الزوج ، وبيعها ، وهبتها ، والصدقة بها ، وإرثها طلاق لها . وإلى هذا ذهب الأعمش ، وأبو جابر ، وابن عباس أيضا ، و سعيد ، والحسن . وذهب عمرو بن عباس أيضا ، وأبو العالية ، و عبيدة ، و طاوس ، وابن جبير ، و عطاء : إلى أن المحصنات هن العفائف ، وأريد به كل النساء حرام ، والشرائع كلها تقتضي ذلك . والمستثنى معناه : إلا ما ملكت أيمانكم بنكاح أو بملك ، فيدخل ذلك كله تحت ملك اليمين . وبهذا التأويل يكون المعنى تحريم الزنا . وروي عن عمر في المحصنات أنهن الحرائر ؟ فعلى هذا يكون قوله : إلا ما ملكت أيمانكم أي : بنكاح إن كان الاستثناء متصلا ، وإن كان أريد به الإماء كان منقطعا . قيل : والذي يقتضيه لفظ الإحصان - إن تعلق بالقدر المشترك بين معانيه - الأربعة ، وإن اختلفت جهات الإحصان ، ويحمل قوله : إلا ما ملكت أيمانكم على ظاهر استعماله في القرآن وفي السنة وعرف العلماء من أن المراد به الإماء ، ويعود الاستثناء إلى ما صح أن يعود عليه من جهات الإحصان . وكل ما صح ملكها ملك يمين حلت لمالكها من مسبية أو مملوكة مزوجة .

ولم يختلف القراء السبعة في فتح الصاد من قوله : والمحصنات من النساء ، واختلفوا في سوى هذا فقرأ الكسائي : بكسر الصاد ، سواء كان معرفا بالألف واللام ، أم نكرة . وقرأ باقيهم وعلقمة : بالفتح ، كهذا المتفق عليه . وقرأ يزيد بن قطيب : ( والمحصنات ) بضم الصاد اتباعا لضمة الميم ، كما قالوا ( منتن ) ولم يعتدوا بالحاجز لأنه ساكن ، فهو حاجز غير حصين . وقال مكي : فائدة قوله : ( من النساء ) - أن المحصنات تقع على الأنفس ، فقوله : ( والذين يرمون المحصنات ) لو أريد به النساء خاصة ، لما حد من قذف رجلا بنص القرآن ، وأجمعوا على أن حده بهذا النص .

( كتاب الله عليكم ) انتصب بإضمار فعل ، وهو فعل مؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله : حرمت عليكم . وكأنه قيل : كتب الله عليكم تحريم ذلك كتابا . ومن جعل ذلك متعلقا بقوله : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) كما ذهب إليه عبيدة السلماني ، فقد أبعد وما ذهب إليه الكسائي من أنه يجوز تقديم المفعول في باب الإعراب على الظروف والمجرورات مستدلا بهذه الآية ، إذ تقدير ذلك عنده : عليكم كتاب الله ، أي : الزموا كتاب الله - لا يتم دليله لاحتماله أن يكون مصدرا مؤكدا كما ذكرناه . ويؤكد هذا التأويل قراءة أبي حيوة ومحمد بن السميقع اليماني : ( كتب الله عليكم ) ، جعله فعلا ماضيا رافعا ما بعده ، أي : كتب الله عليكم تحريم ذلك . وروي عن ابن السميقع [ ص: 215 ] أيضا أنه قرأ : ( كتب الله عليكم ) جمعا ورفعا ، أي : هذه كتب الله عليكم ، أي : فرائضه ولازماته .

التالي السابق


الخدمات العلمية