الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن يغفر الذنوب إلا الله ) جملة اعتراض بين المتعاطفين ، أو بين ذي الحال والحال . وتقدم الكلام على نظير هذه الجملة إعرابا في قوله : ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) وهذه الجملة الاعتراضية فيها ترفيق للنفس ، وداعية إلى رجاء الله وسعة عفوه ، واختصاصه بغفران الذنب . قال الزمخشري : وصف ذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة ، وأن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له ، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه ، وأن عدله يوجب المغفرة للتائب ؛ لأن العبد إذا جاء في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه وجب العفو والتجاوز . وفيه تطييب لنفوس العباد ، وتنشيط للتوبة وبعث عليها ، وردع عن اليأس والقنوط . وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل ، وكرمه أعظم . والمعنى : أنه وحده معه مصححات المغفرة . انتهى . وهو كلام حسن ، غير أنه لم يخرج عن ألفاظ المعتزلة في قوله : وإن عدله يوجب المغفرة [ ص: 60 ] للتائب . وفي قوله : وجب العفو والتجاوز ، ولو لم نعلم أن مذهبه الاعتزال لتأولنا كلامه بأن هذا الوجوب هو بالوعد الصادق ، فهو من جهة السمع لا من جهة العقل فقط .

( ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) أي ولم يقيموا على قبيح فعلهم . وهذه الجملة معطوفة على " فاستغفروا " ، فهي من بعض أجزاء الجزاء المترتب على الشرط . ويجوز أن تكون الواو للحال ويكون حالا من الفاعل في " فاستغفروا " فهي من بعض أجزاء الجزاء ، أي : فاستغفروا لذنوبهم غير مصرين . وما موصولة اسمية ، ويجوز أن تكون مصدرية .

قال قتادة : الإصرار المضي في الذنب قدما . وقال الحسن : هو إتيان الذنب حتى يتوب . وقال مجاهد : لم يصروا : لم يمضوا . وقال السدي : هو ترك الاستغفار والسكوت عنه مع الذنب . والجملة من قوله : وهم يعلمون قال الزمخشري : حال من فعل الإصرار ، وحرف النفي منصب عليهما معا ، والمعنى : وليسوا ممن يصر على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها والوعيد عليها ؛ لأنه قد يعذر من لم يعلم قبح القبيح .

وفي هذه الآيات بيان قاطع أن الذين آمنوا على ثلاث طبقات : متقون ، وتائبون ، ومصرون . وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرين ، ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه . انتهى كلامه ، وآخره على طريقته الاعتزالية من أن من مات مصرا دخل النار ولا يخرج منها أبدا . وأجاز أبو البقاء أن يكون " وهم يعلمون " حالا من الضمير في فاستغفروا ، فإن أعربنا " ولم يصروا " جملة حالية من الضمير في " فاستغفروا " جاز أن يكون " وهم يعلمون " حالا منه أيضا . وإن كان ولم يصروا معطوفا على فاستغفروا كان ما قاله أبو البقاء بعيدا للفصل بين ذي الحال والحال بالجملة . وأما متعلق العلم فتقدم في كلام الزمخشري .

وقال أبو البقاء : وهم يعلمون المؤاخذة بها ، أو عفو الله عنها . وقال ابن عباس والحسن : وهم يعلمون أن تركه أولى من التمادي . وقال مجاهد وأبو عمارة : يعلمون أن الله يتوب على من تاب . وقال السدي ومقاتل : يعلمون أنهم قد أذنبوا . وقيل : يذكرون ذنوبهم فيتوبون منها ، أطلق اسم العلم على الذكر ؛ لأنه من ثمرته . وقال ابن إسحاق : يعلمون ما حرمت عليهم . وقال الحسين بن الفضل : يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنب . وقال ابن بحر : يعلمون بالذنب . وقيل : يعلمون العفو عن الذنوب وإن كثرت .

التالي السابق


الخدمات العلمية