الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وأضل عن سواء السبيل ) أي : عن وسط السبيل وقصده ، أي : هم حائرون لا يهتدون إلى مستقيم الطريق . ( وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ) ضمير الغيبة في جاءوكم لليهود والمعاصرين للرسول وخاصة بالمنافقين منهم ; قاله : ابن عباس ، وقتادة ، والسدي ، وهو على حذف مضاف . إذ ظاهر الضمير أنه عائد على من قبله ، التقدير : وإذا جاءوكم أهلهم أو نساؤهم . وتقدم من قولنا : أن يكون من لعنه الله إلى آخره عبارة عن المخاطبين في قوله : ( قل ياأهل الكتاب ) وأنه مما وضع الظاهر موضع المضمر فكأنه قيل : أنتم ، فلا يحتاج هذا إلى حذف مضاف .

كان جماعة من اليهود يدخلون على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يظهرون له الإيمان نفاقا فأخبر الله تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون كما دخلوا ، لم يتعلقوا بشيء [ ص: 521 ] مما سمعوا من تذكير وموعظة ، فعلى هذا ، الخطاب في جاءوكم للرسول ، صلى الله عليه وسلم ، وقيل : للمؤمنين الذين كانوا بحضرة الرسول . وهاتان الجملتان حالان ، وبالكفر ، وبه حالان أيضا ; أي : ملتبسين . ولذلك دخلت قد تقريبا لها من زمان الحال ولمعنى آخر وهو : أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم ، وكان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، متوقعا لإظهار ما تكتموه ، فدخل حرف التوقع وخالف بين جملتي الحال اتساعا في الكلام . وقال ابن عطية : وقوله : وهم ، تخليص من احتمال العبارة أن يدخل قوم بالكفر وهم قد خرجوا به ، فأزال الاحتمال قوله تعالى : وهم قد خرجوا به ; أي : هم بأعيانهم . انتهى . والعامل في الحالين آمنا ; أي : قالوا ذلك وهذه حالهم . وقيل : معنى هم للتأكيد في إضافة الكفر إليهم ، ونفى أن يكون من الرسول ما يوجب كفرهم من سوء معاملته لهم ، بل كان يلطف بهم ويعاملهم بأحسن معاملة . فالمعنى : أنهم هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم ، لا أنك أنت الذي تسببت لبقائهم في الكفر . والذي نقول : إن الجملة الاسمية الواقعة حالا المصدرة بضمير ذي الحال المخبر عنها بفعل أو اسم يتحمل ضمير ذي الحال - آكد من الجملة الفعلية ، من جهة أنه يتكرر فيها المسند إليه فيصير نظير : قام زيد زيد . ولما كانوا حين جاءوا الرسول أو المؤمنين قالوا : آمنا ملتبسين بالكفر ، كان ينبغي لهم أن لا يخرجوا بالكفر ، لأن رؤيته ، صلى الله عليه وسلم ، كافية في الإيمان . ألا ترى إلى قول بعضهم حين رأى الرسول : علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، مع ما يظهر لهم من خوارق الآيات وباهر الدلالات ، فكان المناسب أنهم وإن كانوا دخلوا بالكفر أن لا يخرجوا به ، بل يخرجون بالرسول مؤمنين ظاهرا وباطنا . فأكد وصفهم بالكفر بأن كرر المسند إليه تنبيها على تحققهم بالكفر وتماديهم عليه ، وأن رؤية الرسول لم تجد عنهم ، ولم يتأثروا لها . وكذلك إن كان ضمير الخطاب في : وإذا جاءوكم قالوا آمنا ، كان ينبغي لهم أن يؤمنوا ظاهرا وباطنا لما يرون من اختلاف المؤمنين وتصديقهم للرسول ، والاعتماد على الله تعالى والرغبة في الآخرة ، والزهد في الدنيا ، وهذه حال من ينبغي موافقته . وكان ينبغي إذ شاهدوهم أن يتبعوهم على دينهم ، وأن يكون إيمانهم بالقول موافقا لاعتقاد قلوبهم . وفي الآية دليل على جواز مجيء حالين لذي حال واحد ، إن كانت الواو في : وهم ، واو حال ، لا واو عطف ، خلافا لمن منع ذلك إلا في أفعل التفضيل . والظاهر أن الدخول والخروج حقيقة . وقيل : هما استعارة ; والمعنى : تقلبوا في الكفر ; أي : دخلوا في أحوالهم مضمرين الكفر وخرجوا به إلى أحوال أخر مضمرين له ، وهذا هو التقلب . والحقيقة في الدخول انفصال بالبدن من خارج مكان إلى داخله ، وفي الخروج انفصال بالبدن من داخله إلى خارجه .

( والله أعلم بما كانوا يكتمون ) أي : من كفرهم ونفاقهم . وقيل من صفة محمد ، صلى الله عليه وسلم ، ونعته ; وفي هذا مبالغة في إفشاء ما كانوا يكتمونه من المكر بالمسلمين والكيد والعداوة .

التالي السابق


الخدمات العلمية