الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 5985 39 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ فِي قَوْلِهِ: "يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ.." إِلَى آخِرِهِ. وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، مِنَ الْعُلُوِّ، اسْمُهُ رُفَيْعٌ، بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، الرِّيَاحِيُّ، بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. فَإِنْ قُلْتَ: قَتَادَةُ مُدَلِّسٌ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي (سُنَنِهِ) فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ عَقِيبَ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ شُعْبَةُ: إِنَّمَا سَمِعَ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّلَاةِ، وَحَدِيثُ الْقُضَاةِ ثَلَاثَةٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ. قُلْتُ: لَمْ يَعْتَبِرِ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَصْرَ; لِأَنَّ شُعْبَةَ مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُدَلِّسُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ، وَقَدْ حَدَّثَ شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ قَتَادَةَ؛ فَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلِّقًا فِي آخِرِ التَّرْجَمَةِ، حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ وَهْبٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ عَلَى مَا يَجِيءُ بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: "كَانَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ"؛ أَيْ: عِنْدَ حُلُولِ الْكَرْبِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ وَيَقُولُهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ. قَوْلُهُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ" اشْتَمَلَ هَذَا عَلَى التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ التَّنْزِيهَاتِ الْمُسَمَّاةِ بِالْأَوْصَافِ الْجَلَالِيَّةِ، وَعَلَى الْعَظَمَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ؛ إِذِ الْعَاجِزُ لَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَعَلَى الْحِلْمِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ؛ إِذِ الْجَاهِلُ بِالشَّيْءِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْحِلْمُ، وَهُمَا أَصْلُ الصِّفَاتِ الْوُجُودِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْأَوْصَافِ الْإِكْرَامِيَّةِ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الذِّكْرِ بِالْحَلِيمِ; لِأَنَّ كَرْبَ الْمُؤْمِنِ غَالِبًا إِنَّمَا هُوَ عَلَى نَوْعِ تَقْصِيرٍ فِي الطَّاعَاتِ، أَوْ غَفْلَةٍ فِي الْحَالَاتِ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِرَجَاءِ الْعَفْوِ الْمُقَلِّلِ لِلْحُزْنِ. فَإِنْ قُلْتَ: الْحِلْمُ هُوَ الطُّمَأْنِينَةُ عِنْدَ الْغَضَبِ، فَكَيْفَ تُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قُلْتُ: تُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ وَيُرَادُ لَازِمُهَا، وَهُوَ تَأْخِيرُ الْعُقُوبَةِ. فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا ذِكْرٌ لَا دُعَاءٌ. قُلْتُ: إِنَّهُ ذِكْرٌ يُسْتَفْتَحُ بِهِ الدُّعَاءُ لِكَشْفِ الْكَرْبِ. قَوْلُهُ: "رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ; لِأَنَّهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُشَاهَدَاتِ، وَمَعْنَى الرَّبِّ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْمَالِكِ وَالسَّيِّدِ وَالْمُدَبِّرِ وَالْمُرَبِّي وَالْمُتَمِّمِ وَالْمُنْعِمِ، وَلَا يُطْلَقُ غَيْرَ مُضَافٍ إِلَّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِهِ أُضِيفَ، فَيُقَالُ: رَبُّ كَذَا. قَوْلُهُ: "رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ" هَذَا أَيْضًا يَشْتَمِلُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَعَظَمَةِ الْعَرْشِ، وَجْهُ الْأَوَّلِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَوَجْهُ ذِكْرِ الثَّانِي؛ أَعْنِي لَفْظَ الرَّبِّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى هُوَ كَوْنُهُ مُنَاسِبًا لِكَشْفِ الْكَرْبِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى التَّرْبِيَةِ، وَوَجْهُ الثَّالِثِ وَهُوَ تَخْصِيصُ الْعَرْشِ بِالذِّكْرِ; لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْسَامِ الْعَالَمِ؛ فَيَدْخُلُ الْجَمِيعُ تَحْتَهُ دُخُولَ الْأَدْنَى تَحْتَ الْأَعْلَى، ثُمَّ لَفْظُ: الْعَظِيمِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، بِالْجَرِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِرَفْعِ "الْعَظِيمِ" عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلرَّبِّ، وَيُرْوَى: وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، بِالْوَاوِ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية