الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ وَأَمَّا الْمَصُوغُ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، فَإِنْ كَانَتْ صِيَاغَةً مُحَرَّمَةً كَالْآنِيَةِ ، فَهَذِهِ يَحْرُمُ بَيْعُ الْمُصَاغَةِ لِجِنْسِهَا وَغَيْرِ جِنْسِهَا ، وَبَيْعُ هَذِهِ هُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ عُبَادَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ . وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الصِّيَاغَةُ مُبَاحَةً ، كَخَوَاتِيمِ الْفِضَّةِ ، وَكَحِلْيَةِ النِّسَاءِ ، وَمَا أُبِيحَ مِنْ حِلْيَةِ السِّلَاحِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْفِضَّةِ ، وَمَا أُبِيحَ مِنَ الذَّهَبِ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ فَهَذِهِ لَا يَبِيعُهَا عَاقِلٌ بِوَزْنِهَا ، فَإِنَّ هَذَا سَفَهٌ وَتَضْيِيعٌ لِلصَّنْعَةِ ، وَالشَّارِعُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ ، وَلَا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ الْبَتَّةَ إِلَّا إِذَا كَانَ مُتَبَرِّعًا بِدُونِ الْقِيمَةِ . وَحَاجَةُ النَّاسِ مَاسَّةٌ إِلَى بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا ، فَإِنْ لَمْ يُجَوَّزْ بَيْعُهَا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَسَدَتْ مَصْلَحَةُ النَّاسِ . وَالنُّصُوصُ الْوَارِدَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهَا مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي هَذَا ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا إِنَّمَا فِيهِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ ، وَفِي بَعْضِهَا لَفْظُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ : لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْحِلْيَةُ الْمُبَاحَةُ ، بَلْ لَا زَكَاةَ فِيهَا ، فَكَذَلِكَ الْحِلْيَةُ الْمُبَاحَةُ لَمْ تَدْخُلْ فِي نُصُوصِ الرِّبَا ، فَإِنَّهُ بِالصِّيغَةِ الْمُبَاحَةِ صَارَتْ مِنْ جِنْسِ الثِّيَابِ وَالسِّلَعِ ، لَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، فَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ فِيهَا زَكَاةُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، وَلَا يَحْرُمُ بَيْعُهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ . وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّخِذُونَ الْحِلْيَةَ ، وَكُنَّ النِّسَاءُ يَلْبَسْنَ الْحِلْيَةَ ، وَقَدْ أَمَرَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْعِيدِ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ ، وَقَالَ : «إِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ » ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي حُلِيَّهَا ، وَذَلِكَ مِثْلَ الْخَوَاتِيمِ وَالْقَلَائِدِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْطِي ذَلِكَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ ، وَكَانُوا يَبِيعُونَ ، وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُبَاعَ وَيُشْتَرَى ، وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَبِيعُ هَذَا بِوَزْنِهِ ، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَهُوَ سَفِيهٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ . كَيْفَ وَقَدْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَوَّاغُونَ ، وَالصَّائِغُ قَدْ أَخَذَ أُجْرَتَهُ ، فَكَيْفَ يَبِيعُهُ صَاحِبُهُ وَيَخْسَرُ أُجْرَةَ الصَّائِغِ ؟ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ ، وَلَا يَأْمُرُ بِهِ صَاحِبُ شَرْعٍ ، بَلْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ مِثْلِ هَذَا . وَلَا يُعْرَفُ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَمَرُوا فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُبَاعَ بِوَزْنِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ النِّزَاعُ فِي الصَّرْفِ وَالدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُبِيحُ ذَلِكَ ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ . وَالْمَنْقُولُ عَنْ عُمَرَ إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّرْفِ . وَأَيْضًا فَتَحْرِيمُ رِبَا الْفَضْلِ إِنَّمَا كَانَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ ، وَمَا حَرُمَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ أُبِيحَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ ، كَالصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ ، لَمَّا نُهِيَ عَنْهَا لِئَلَّا يُتَشَبَّهَ بِالْكُفَّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَيَسْجُدُونَ لِلشَّيْطَانِ ، أُبِيحَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ ، فَأُبِيحَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ ، وَالْإِعَادَةُ مَعَ الْإِمَامِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ وَرَأَى رَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا وَقَالَا : صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا ، فَقَالَ : «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ » . وَكَذَلِكَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ ، وَكَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ ذَوَاتُ الْأَسْبَابِ مِثْلَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ النَّظَرُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ لَمَّا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ ، أُبِيحَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ ، كَمَا أُبِيحَ لِلْخُطَّابِ وَغَيْرِهِ . وَكَذَلِكَ بِيعُ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ ، لَمَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ لِسَدِّ الْحَاجَةِ أُبِيحَ بِالْخَرْصِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ . كَذَلِكَ هُنَا ، بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضِلًا لَمَّا نُهِيَ عَنْهُ فِي الْأَثْمَانِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى رِبَا النَّسَاءِ الَّذِي هُوَ الرِّبَا ، فَنُهِيَ عَنْهُ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ ، كَانَ مُبَاحًا إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ . وَبَيْعُ الْمَصُوغِ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَلَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ بِوَزْنِهِ مِنَ الْأَثْمَانِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الْأَثْمَانِ ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِنْهُ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي مُقَابِلِ الصِّيغَةِ . وَالزِّيَادَةُ هُنَا تُعْقَلُ ، إِذْ مَنْ يَأْخُذُ لَهَا أُجْرَةً بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ فِي الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ ، فَإِنَّهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ الْمَخْلُوقَةِ ، فَجَازَ أَنْ يُؤْمَرَ بِبَذْلِهَا إِذَا بِيعَتْ بِجِنْسِهَا أَحْيَانًا ، وَأَمَّا هُنَا فَهُوَ ظُلْمٌ لِمَنْ أَعْطَى أُجْرَةَ الصِّيَاغَةِ أَنْ يُقَالَ : بِعْهَا وَاخْسَرِ الْأُجْرَةَ . وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَا تَتَقَوَّمُ فِيهَا الصَّنْعَةُ ، وَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاؤُهُ فَلَمْ يَضْرِبُوا دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا ، بَلْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِضَرْبِ غَيْرِهِمْ ، وَأَوَّلُ مَنْ ضَرَبَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ . وَالسُّلْطَانُ إِذَا ضَرَبَهُمَا ضَرَبَهُمَا لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ ، وَإِذَا ضَرَبَهُمَا ضَارِبٌ بِأَجْرٍ ، وَالضَّارِبُ الْآخَرُ ضَرَبَهُمَا بِأَجْرٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية