الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وتكلم العلماء أيضا في الإمام إذا كان من أهل الفجور والبدع ، وفيه تفصيل ونزاع لم يقله أحد من المسلمين .

ثم إن أراد بذلك أن يوافقه على مسائل الاجتهاد الخارجة عن الصلاة ، فهذا غاية الجهل . وإن أراد موافقته على مسائل الصلاة لم ينضبط أمره ، وإن الطائفة الواحدة من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد [ ص: 436 ] متنازعون في واجبات الصلاة ومبطلاتها . فمن التزم هذا القول لزمه أن لا يصلي بعض أهل المذهب الواحد خلف بعض ، حتى لا يصلي أبو يوسف ومحمد خلف أبي حنيفة ، ولا ابن القاسم وابن وهب ونحوهما خلف مالك ، ولا بعض أصحاب الشافعي وأحمد خلفهما .

وقد قال بعض المتأخرين : إنه لا بد أن ينوي المصلي أداء الواجب في تفاصيل الصلاة ، وإنه إذا فعل ما يوجبه المأموم دونه ولم ينو أنه واجب لم يصح الاقتداء به . وهذا قول محدث في الإسلام ، لا أصل له عن أحد من السلف . وما زال المسلمون يصلون ولا يميزون هذا التمييز ، لا اعتقادا ولا نية ، وكيف يمكن هذا والنزاع في واجباتها ومبطلاتها من أصعب مسائل الفقه ، فكيف يكلف كل مصل أن يحرم باعتقاد لا يعلم دليله ؟ ومن احتاط ، فإذا ما اشتبه عليه واجب هو أو مستحب ؟ وترك ما اشتبه أحرام هو أم لا ؟ فقد استبرأ لعرضه ودينه . فكيف يذم مثل هذا ؟

وأما إن كان هذا القائل أراد [بقوله] «مذهبي » مذهبا مبتدعا في الأصول ما يخالف الكتاب والسنة ، كمذهب الرافضة والمعتزلة والخوارج ونحوهم ، فهذا ضال من وجهين : من جهة اعتقاد الباطل ، ومن جهة امتناعه عن الائتمام بمن يعتقد الحق . وهكذا فعل أهل الأهواء بأئمة المسلمين ، كما فعلت الخوارج بعلي رضي الله عنه ، ابتدعوا بدعا ما أنزل الله به من سلطان ، وطعنوا مع هذا على من خالفهم من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، حتى آل الأمر بهم [ ص: 437 ] إلى تكفير الجمهور وقتالهم ، فهؤلاء أهل التفرق والاختلاف والأهواء . قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون إلى قوله : ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [آل عمران :102 - 106] ، قال ابن عباس : تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة .

ومثل هؤلاء قد ذمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية الذم ، بل أمر بقتالهم ، مع وصفه لهم بالعبادة ، حيث قال : «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم ، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة » .

التالي السابق


الخدمات العلمية