الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَلَمَّا جَوَّزَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتِضَاءَ الذَّهَبِ مِنَ الْوَرِقِ وَالْوَرِقِ مِنَ الذَّهَبِ بِالسِّعْرِ ، مَعَ أَنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يُقْبَضْ ، دَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِالسِّعْرِ ، فَجَوَّزَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الدُّيُونِ دَيْنِ السَّلَمِ وَغَيْرِهِ ، كَمَا جَوَّزَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَمَالِكٌ عَلَى تَفْصِيلٍ لَهُ . وَالَّذِينَ قَالُوا : لَا يَجُوزُ ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، قَالُوا : لِأَنَّهُ بَيْعٌ غَيْرُ مَقْبُوضٍ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنْ بَاعَهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَحْذُورَ هُوَ الرِّبْحُ ، فَإِذَا بَاعَهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِلَا رِبْحٍ جَازَ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ، وَجَوَّزَ التَّوْلِيَةَ فِيهِ . وَإِنْ كَانَ أَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يُجَوِّزُ بَيْعَ دَيْنِ السَّلَمِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِالسِّعْرِ ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى . وَابْنُ عَبَّاسٍ جَوَّزَهُ بِالسِّعْرِ ، وَقَالَ : لَا يَرْبَحُ مَرَّتَيْنِ . كَذَلِكَ يَخْرُجُ فِي التَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ ، إِذْ لَا رِبْحَ هُنَاكَ ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ دَيْنِ السَّلَمِ وَالثَّمَنِ وَكِلَاهُمَا عِوَضٌ فِي الذِّمَّةِ ؟ وَقَدْ جَوَّزَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِاعْتِيَاضَ عَنْهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ . وَأَحْمَدُ يَعْتَبِرُ هَذَا الشَّرْطَ هُوَ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَعْتَبِرُهُ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْأَصْلَيْنِ : عَلَى بَيْعِ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عِوَضًا ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ بِرِبْحٍ . وَكَذَلِكَ سَائِرُ الدُّيُونِ ، كَبَدَلِ الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ . وَقَدِ اضْطَرَبَ النَّاسُ فِي بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ فِي حُكْمِ النَّهْيِ فِي مَوْرِدِهِ ، وَمَا يُقَاسُ بِالطَّعَامِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ عِدَّةُ رِوَايَاتٍ . مَنْ يَجْعَلُ الْعِلَّةَ تَوَالِي الضَّمَانَيْنِ ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي قَوْلٍ ، يَقُولُونَ : إِنِ السِّلْعَةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَإِذَا بَاعَهَا الْمُشْتَرِي صَارَتْ مَضْمُونَةً لِلْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، فَتَوَالَى الضَّمَانَانِ . وَهَذِهِ عِلَّةٌ ضَعِيفَةٌ ، فَإِنَّهُ إِذَا تَلِفَ انْفَسَخَ الْعَقْدَانِ ، وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ بِثَمَنِهِ . وَأَبُو حَنِيفَةَ اسْتَثْنَى الْعَقَارَ ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عِنْدَهُ بِالْعَقْدِ إِذَا كَانَ لَا يُنْقَلُ وَيَحُولُ ، وَلَوْ بَاعَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ مِنْ شَخْصٍ ، ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ شَخْصٍ جَازَ ، وَإِنْ أَخَذَهُ الشَّرِيكُ بِالشُّفْعَةِ انْفَسَخَتْ تِلْكَ الْعُقُودُ . وَهَذَا فِيهِ تَوَالِي ضَمَانَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ . وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ يَخُصُّ النَّهْيَ بِالطَّعَامِ لِشَرَفِهِ ، لَكِنْ إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ أَنَّهُ رِبْحٌ مِنْ غَيْرِ تِجَارَةٍ فَجَمِيعُ السِّلَعِ سَوَاءٌ . وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ يَقُولُ : إِنَّ الْمُعَيَّنَ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِتَمْكِينِهِ مِنْ قَبْضِهِ ، سَوَاءٌ قَبَضَهُ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ ، وَمَعَ هَذَا يَقُولُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ -وَهِيَ الَّتِي اخْتَارَهَا الْخِرْقِيُّ- : إِنَّهُ لَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَنْقُلَهُ . فَالْقَبْضُ عِنْدَهُ قَبْضَانِ : قَبْضٌ يَنْقُلُ الضَّمَانَ ، وَقَبْضٌ يُبِيحُ الْبَيْعَ ، فَالصُّبْرَةُ إِذَا لَمْ يَنْقُلْهَا هِيَ مِنْ ضَمَانِهِ لِأَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ ، وَلَا يَرْبَحُ فِيهَا حَتَّى يَنْقُلَهَا . وَغَلَّةُ الثِّمَارِ هِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْبَائِعِ إِذَا أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ ، وَيَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَهَا عَلَى الشَّجَرِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ إِذَا خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا . فَهُنَا قَبْضَانِ : قَبْضٌ لَا يُبِيحُ الْبَيْعَ وَالرِّبْحَ ، وَقَبْضٌ يَنْقُلُ الضَّمَانَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية