الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ونظر في دعوى جور أو غلط ، وحلف المنكر ، فإن تفاحش أو ثبتا : نقضت : [ ص: 294 ] كالمراضاة إن أدخلا مقوما

التالي السابق


( و ) إن ادعى أحد المتقاسمين الجور أو الغلط في القسمة ( نظر ) بضم فكسر ( في دعوى جور ) أي عدول من القاسم عن الحق عمدا ( أو غلط ) أي عدول عنه منه خطأ ، فإن لم يظهر شيء منهما مضى القسم ولزم وإن اعترف الشريك به قضي عليه بما يقتضيه اعترافه ( و ) إن أنكر ( حلف المنكر ) على عدم ما ادعاه مقاسمة من جور أو غلط " ق " فيها للإمام مالك رضي الله تعالى عنه إذا قالوا للقاسم غلطت أو لم تعدل نظر الإمام في ذلك ، فإن كان قد عدل أمضاه وإلا رده ، ولم ير الإمام مالك رضي الله تعالى عنه قسم القاسم بمنزلة حكم الحاكم . ( فإن تفاحش ) الجور أو الغلط ( أو ثبتا ) بشهادة أهل المعرفة ( نقضت ) بضم فكسر القسمة . طفي أي مع القيام ومع الفوات يترادان في القيمة في معين الحكام تنقض ما لم يفت الإملاك ببناء أو هدم أو غير ذلك من وجوه الفوات ، فإن فاتت بما ذكرنا رجعا في ذلك إلى القيمة ، ويقتسمونها ، وإن فات بعضه وبقي سائره على حاله قسم ما لم يفت مع قيمة ما فات . ا هـ .

ابن عرفة دعوى الغلط في القسم دون بينة ولا تفاحش يوجب حلف المنكر وبأحدهما يوجب نقضه . الباجي في القرب وفي معين الحكام بعض الأندلسيين إنما يقام بالغبن فيما قرب ، وأما ما بعد أمده وطال تاريخه فلا يقام فيه بغبن . أبو إبراهيم وحد ذلك [ ص: 294 ] العام ويفوته البناء والغرس أيضا . وفي المعين إذا ثبت الغبن في القسمة انتقضت ما لم تفت الأملاك ببناء أو هدم أو غير ذلك من وجوه الفوت ، فإن فاتت الأملاك بما ذكرنا رجعا في ذلك إلى القسمة يقتسمونها ، وإن فات بعضه وبقي سائره على حاله اقتسم ما لم يفت مع قيمة ما فات ، أفاده الحط .

طفي ونحوه لابن سلمون ، وزاد في مؤلفه ابن لبابة إذا فات المقسوم ببناء أو هدم أو بيع مضى القسم ولا كلام للقائم بغلط أو غبن ابن عبد الغفور والأول أحسن . ابن عرفة ابن حبيب فوته بالبيع لغو ما لم يفت ببناء مبتاعه . ا هـ . فلو فصل المصنف بين القيام والفوت لكان أولى ، وهذا في قسمة القرعة . وشبه بها في النقض فقال ( ك ) قسمة ( المراضاة ) فتنقض بتفاحش الجور أو الغلط أو ثبوته فيها ( إن ) كانا ( أدخلا ) أي المقتسمان في قسمة المراضاة ( مقوما ) بكسر الواو مشددة ، فإن لم يدخلا مقوما فلا تنقض بذلك . الحط ابن حبيب إن ادعى أحدهم الغلط بعد القسم ، فإن كانوا قسموا بالتراضي بلا سهم وهو جائز ، والأمر فلا ينظر إلى دعوى ذلك ، وإن كان الغلط ببينة أو بغيرها من أمر ظاهر لأنه كبيع التساوم يلزم فيه الغبن وإن قسموا بالسهم على تعديل القيمة فهو كبيع المرابحة . أبو عمران إنما يصح قول ابن حبيب على وجه وهو إذا تولوا القسمة بأنفسهم . [ ص: 295 ] وأما إن كانوا أدخلوا بينهم من قوم لهم ثم ظهر فيها الغبن فتفسخ القسمة لأنهم وإن سموها تراضيا لم يدخلوا إلا على التساوي ا هـ .

وظاهره أنهم إذا لم يدخلوا مقوما بينهم وقوموا لأنفسهم لا يقام فيها بالغبن والظاهر أن هذا ليس بمراد ، وإنما المراد أن قسمة المراضاة إذا كانت بلا تعديل ولا تقويم لا يقام بالغبن فيها ، ومتى كانت بتقويم وتعديل فيقام بالغبن فيها ، سواء كان التقويم من غيرهم أو منهم . اللخمي دعوى الغلط في القسمة على أربعة أوجه ، أحدها : أن يعدلا ذلك ثم يقترعا ، أو يأخذا بغير قرعة ثم يدعي أحدهما غلطا فهذا ينظر فيه أهل المعرفة ، فإن كان سواء أو قريبا من السواء فلا ينقض ، وإلا فينقض ، والقول قول مدعي الغلط .

والثاني : أن يقولا هذه الدار تكافئ هذه وهذا العبد يكافئ هذا من غير ذكر القيمة ثم يقترعا أو يأخذا ذلك بغير قرعة . والجواب فيه كالأول لأن مفهوم ذلك التعديل والمساواة في القيم ، وكذلك إذا قالا هذه الدار تكافئ هذا المتاع أو هذه العبيد ثم أخذ كل واحد منهم أحد الصنفين بالتراضي بغير قرعة ، ثم تبين أن القيم مختلفة .

والثالث : أن يقول أحدهما خذ هذه الدار وهذا العبد وأنا آخذ هذه الدار ، وهذا العبد من غير تقويم ولا ذكر مكافأة ، فإن كانت القسمة بالتراضي مضى الغبن على من كان في نصيبه وإلا على قول من لم يمضه في البيع ، وإن كانت بالقرعة وهما عالمان به فسدت فتفسخ جبرا عليهما . وإن لم يطلبه أحدهما لأنه غرر وإن كانا ظنا التساوي صحت ، والقيام بالغبن فيها كالعيب .

والرابع : اختلافهما في صفقة المقسم كقسمهما عشرة أثواب فكان بيد أحدهما ستة ، وقال هي نصيبي عليه اقتسمناه . وقال الآخر واحد منها لي وأنا سلمتك غلطا ، فاختلف فيها فقال ابن القاسم القول قول حائزه بيمينه ، إن أتى بما يشبه لإقرار الآخر بالقسم وادعائه بعض ما بيد صاحبه . وقال أشهب القول للحائز بيمينه ، وقال ابن عبدوس [ ص: 296 ] يتحالفان ويتفاسخان ذلك الثوب وحده ، ثم ذكر كلام ابن حبيب في هذا القسم الرابع .

وقال الرجراجي إن ادعى أحدهم الغلط في القسمة فذلك على وجهين ، أحدهما : أن يلوا القسم بأنفسهم . والثاني : أن يقدموا من يقسم بينهم ، فإن تولوه بأنفسهم ثم ادعى أحدهم الغلط فذلك على أربعة أوجه ، وذكر هذه الأوجه الأربعة التي ذكرها اللخمي ، ثم قال وأما إن قدموا من قسم بينهم ثم قال أحدهم إن القاسم جار أو غلط فقال ابن القاسم فيها لا يلتفت إلى قولهم وليتم قسمته ، فإذا فرغ منها فينظر السلطان فيها ، فإن وجدها على التعديل مضى ما قسم ولا يرد ، فإن رضي جميعهم برده ونقضه واستئناف القسمة بالقرعة أو التراضي فلا يجوز لأنهم ينتقلون من معلوم لمجهول ، وهو ما يخرج لهم بالقسمة الثانية ولو تراضوا بنقضه ، بشرط أن يأخذ كل واحد شيئا معلوما معينا جاز ، وإن وجد السلطان فيه غبنا فاحشا نقضه قولا واحدا ، وإن كان غير فاحش فقال ابن القاسم فيها يرد وقال أشهب لا يرد ا هـ .

وفي التنبيهات القسمة على ثلاثة أضرب قسمة حكم وإجبار ، وهي قسمة القرعة ، وقسمة مراضاة وتقويم ، وقسمة مراضاة على غير تعديل ، وحكم هذه حكم البيع في كل وجه ، ولا يرجع فيها بالغبن على القول بأنه لا يرجع به في البيع ، ويرجع بالغبن في الوجهين الأولين ويعني عن اليسير من ذلك في قسمة التراضي . واختلف في اليسير في قسمة القرعة كالدينار والدينارين من العدد الكثير ، فذهب ابن أبي زيد وبعضهم إلى أنه معفو عنه ، وأبى ذلك آخرون وقالوا بنقض القسمة لأنه خطأ في الحكم يجب فسخه ولا يفرق فيه بين القليل والكثير . ا هـ . ونحوه للباجي والله أعلم .




الخدمات العلمية