الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3529 وقال نعيم، عن ابن المبارك: أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرني مولى لأسامة بن زيد أن الحجاج بن أيمن بن أم أيمن، وكان أيمن بن أم أيمن أخا أسامة بن زيد لأمه، وهو رجل من الأنصار، فرآه ابن عمر لا يتم ركوعه، ولا سجوده، فقال: أعد. قال أبو عبد الله: وحدثني سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن نمر، عن الزهري، حدثني حرملة مولى أسامة بن زيد، أنه بينما هما مع عبد الله بن عمر إذ دخل الحجاج بن أيمن، فلم يتم ركوعه ولا سجوده، فقال: أعد، فلما ولى قال لي ابن عمر: من هذا؟ قلت: الحجاج بن أيمن ابن أم أيمن، فقال ابن عمر: لو رأى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبه، فذكر حبه وما ولدته أم أيمن، قال: أو زادني بعض أصحابي عن سليمان، وكانت حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  نعيم بضم النون هو حماد بن معاوية بن الحارث بن سلمة بن مالك أبو عبد الله الخزاعي المروزي الأعور الرفاء الفارض أحد شيوخ البخاري، وفي (التهذيب) روى عنه البخاري مقرونا بغيره، سكن مصر، ومات بسر من رأى مسجونا في محنة سنة ثمان وعشرين ومائتين، قاله أبو داود، وقال إبراهيم بن محمد نفطويه: كان مقيدا فجر بأقياده وألقي في حفرة لم يكفن ولم يصل عليه، فعل ذلك به صاحب ابن أبي داود، وفي (التهذيب) خرج نعيم إلى مصر فأقام بها نيفا وأربعين سنة ثم حمل إلى العراق في امتحان القرآن مع البويطي مقيدين، فمات نعيم بالعسكر بسامرة، وابن المبارك هو عبد الله، ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد يروي عن محمد بن مسلم الزهري، ومولى أسامة بن زيد هو حرملة بفتح الحاء المهملة وسكون الراء وفتح الميم، سمع أسامة وعلي بن أبي طالب، روى عنه أبو جعفر محمد بن علي والزهري في مواضع، والحجاج بن أيمن بن عبيد بن عمرو بن هلال الأنصاري الخزرجي، وقيل: الحبشي من موالي الخزرج ابن أم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخو أسامة لأمه، قال ابن إسحاق: استشهد يوم حنين وله ابن اسمه حجاج، وذكره الذهبي أيضا في (تجريد الصحابة) وتزوج أم أيمن قبل زيد بن حارثة، فولدت له أيمن، ونسب أيمن إلى أمه لشرفها على أبيه، وشهرتها عند أهل البيت النبوي، وتزوج زيد بن حارثة أم أيمن، وكانت حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم، ورثها من أبيه فولدت له أسامة بن زيد، وعاشت أم أيمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم قليلا، واسمها بركة بفتح الباء الموحدة أعتقها أبو النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأسلمت قديما، وقال أبو عمر: بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، وهي أم أيمن غلبت عليها كنيتها، هاجرت الهجرتين إلى أرض الحبشة وإلى المدينة جميعا، وقال الواقدي: كانت بركة لعبد الله بن عبد المطلب، وصارت للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عمر بإسناده إلى سليمان بن أبي شيخ: كانت بركة لأم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: أم أيمن أمي بعد أمي، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يزورها، وكان أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يزورانها في منزلها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها.

                                                                                                                                                                                  [ ص: 235 ] (ذكر معناه): . قوله: " وهو رجل " أي: أيمن رجل من الأنصار، وقد ذكرناه الآن.

                                                                                                                                                                                  قوله: " فرآه ابن عمر " رأى معطوف على شيء مقدر وهو خبر أن الحجاج بن أيمن رآه عبد الله بن عمر فرآه يقصر في صلاته وهو معنى قوله: " لا يتم ركوعه ولا سجوده ".

                                                                                                                                                                                  قوله: " فقال: أعد " أي: قال عبد الله بن عمر للحجاج: أعد صلاتك، وفي رواية الإسماعيلي: فقال: يا ابن أخي، أتحسب أنك قد صليت، إنك لم تصل، فأعد صلاتك.

                                                                                                                                                                                  قوله: " قال أبو عبد الله " هو البخاري نفسه، حدثني سليمان بن عبد الرحمن ابن ابنة شرحبيل بن أيوب الدمشقي، عن الوليد بن مسلم القرشي الأموي الدمشقي، عن عبد الرحمن بن نمر بفتح النون وكسر الميم اليحصبي بلفظ مضارع حصب الدمشقي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن حرملة... إلى آخره.

                                                                                                                                                                                  قوله: " بينما هو " قيل: فيه تجريد كأن حرملة قال: بينما أنا فجرد من نفسه شخصا، فقال: بينما هو، وقيل: فيه التفات من الحاضر إلى الغائب.

                                                                                                                                                                                  قوله: " فلما ولى " أي: الحجاج.

                                                                                                                                                                                  قوله: " قال لي ابن عمر: يا حرملة من هذا؟ قلت: الحجاج بن أيمن.

                                                                                                                                                                                  قوله: " لأحبه " يعني: لمحبته أيمن وأمه أم أيمن ولأسامة بن زيد.

                                                                                                                                                                                  قوله: " وما ولدته أمه " كذا ثبت في رواية أبي ذر بواو العطف، والضمير على هذا لأسامة في قوله: " فذكر حبه " أي: ميله إلى أيمن يعني: حبه إياه، وفي رواية غير أبي ذر: فذكر حبه ما ولدته أم أيمن، فعلى هذا فالضمير للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وما ولدته هو المفعول، والمراد بما ولدته أم أيمن ما ولدته من ذكر وأنثى.

                                                                                                                                                                                  قال الكرماني: فذكر حبه أي: حب أيمن، وأولاد أم أيمن، والفاعل محذوف أي: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو حب رسول الله لها مقرونا بأولادها فهو مضاف إلى الفاعل.

                                                                                                                                                                                  قوله: " وزادني بعض أصحابي " أي: قال البخاري: وزادني بعض أصحابي على ما مر، قيل: هو إما يعقوب بن سفيان فإنه رواه في (تاريخه) عن سليمان بن عبد الرحمن بالإسناد المذكور، وزاد فيه: وكانت أم أيمن حاضنة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأما الذهلي فإنه أخرجه في (الزهريات) عن سليمان أيضا، وكأن هذا القدر لم يسمعه البخاري من سليمان فحمله عن بعض أصحابه، فبين ما سمعه مما لم يسمعه، فلله دره ما أدق تحريره، وما أشد تحبيره.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية