الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3632 328 - حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا قطن أبو الهيثم، حدثنا أبو يزيد المدني، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى، فانطلق معه في إبله، فمر رجل به من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالا فشد به عروة جوالقه، فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيرا واحدا، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ قال: فحذفه بعصا كان فيها أجله، فمر به رجل من أهل اليمن فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فكنت إذا أنت شهدت الموسم فناد: يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد: يا آل بني هاشم، فإن أجابوك فسل عن أبي طالب فأخبره أن فلانا قتلني في عقال، ومات المستأجر، فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض فأحسنت القيام عليه فوليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينا ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا آل بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة أن فلانا قتله في عقال، فأتاه أبو طالب فقال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك إنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل يصيب كل رجل بعيران، هذان بعيران فاقبلهما عني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان، فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرف.

                                                                                                                                                                                  [ ص: 297 ]

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  [ ص: 297 ] مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو معمر عبد الله بن عمرو المقعد، وقد تكرر ذكره، وعبد الوارث هو ابن سعيد أبو عبيدة، وقطن بالقاف والطاء المهملة ثم النون هو ابن كعب أبو الهيثم القطعي بضم القاف البصري، وأبو يزيد من الزيادة المدني البصري، ويقال له المديني بزيادة الياء آخر الحروف، ولعل أصله كان من المدينة ولكن لم يرو عنه أحد من أهل المدينة، وسئل عنه مالك فلم يعرفه ولا عرف اسمه، وقد وثقه ابن معين وغيره وليس له ولا للراوي عنه في البخاري إلا هذا الحديث. وأخرجه النسائي في القسامة عن محمد بن يحيى، عن معمر، نحوه.

                                                                                                                                                                                  (ذكر معناه)

                                                                                                                                                                                  قوله: " إن أول قسامة " أي: في حكم أبي طالب، واختلفوا في أول من سن الدية مائة من الإبل، فقال ابن إسحاق: عبد المطلب، وقيل: القلمس، وقيل: النضر بن كنانة بن خزيمة قتل أخاه لأمه فوداه مائة من الإبل من ماله، وقال ابن الكلبي: وثب ابن كنانة على علي بن مسعود فقتله، فوداه خزيمة بمائة من الإبل فهي أول دية كانت في العرب، وقيل: قتل معاوية بن بكر بن هوازن أخاه زيدا فوداه عامر بن الضرب مائة من الإبل، فهي أول دية كانت في العرب. قوله: " لفينا " في محل الرفع لأنه خبر لقوله " أول قسامة "، واللام فيه لتأكيد معنى الحكم بها. قوله: " بني هاشم " مجرور لأنه بدل من الضمير المجرور، وقال الكرماني: إنه منصوب على الاختصاص، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون نصبا على التمييز أو على النداء بحذف حرف النداء. (قلت): لا وجه لأن يكون منصوبا على التمييز لأن التمييز ما يرفع الإبهام المستقر عن ذات مذكورة أو مقدرة، والمراد بالإبهام المستقر ما كان بالوضع أي: ما وضعه الواضع مبهما، وليس في قوله " لفينا " إبهام بوضع الواضع، ولا وجه أيضا لأن يكون منصوبا على النداء لأن المنادي غير المنادى، وهنا قوله " بني هاشم " هو معنى قوله " لفينا " والوجه ما ذكرناه.

                                                                                                                                                                                  قوله: " كان رجل من بني هاشم " هو عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف نص عليه الزبير بن بكار في هذه القصة، وسماه ابن الكلبي عامرا. قوله: " استأجره رجل " قال الكرماني: وفي بعضها حذف المفعول منه، وجاء على الوجهين هكذا استأجر رجل في رواية الأصيلي وأبي ذر، وفي رواية كريمة وغيرها استأجر رجلا من قريش وهو مقلوب، والأول هو الصواب. قوله: " من فخذ أخرى " بكسر الخاء المعجمة وقد تسكن، والفخذ أقل من البطن الأقل من العمارة الأقل من الفصيلة الأقل من القبيلة، ونص الزبير بن بكار على أن المستأجر المذكور هو خداش بن عبد الله بن أبي قيس العامري، وخداش بكسر الخاء المعجمة وبدال مهملة وشين معجمة. قوله: " فمر به " أي: بالأجير. قوله: " عروة جوالقه " بضم الجيم وكسر اللام الوعاء من جلود وثياب وغيرها، وهو فارسي معرب، وأصله كواله، والجمع الجوالق بفتح الجيم، والجواليق بزيادة الياء آخر الحروف. قوله: " أغثني " من الإغاثة بالغين المعجمة والثاء المثلثة، ومعناه: أعني بالعين المهملة والنون. قوله: " بعقال " بكسر العين المهملة وهو الحبل. قوله: " فحذفه " فيه حذف تقديره فأعطيته، فحذفه بالحاء المهملة ويروى بالمعجمة أي: رماه، والحذف الرمي بالأصابع. قوله: " كان فيها أجله " أي: فأصاب مقتله وأشرف على الموت بدليل قوله " فمر به رجل من أهل اليمن " قبل أن يقضي. قوله: " أتشهد الموسم " أي: موسم الحج ومجتمعهم. قوله: " مرة من الدهر " أي: وقتا من الأوقات. قوله: " قال: فكنت " بضم الكاف وسكون النون من الكون، هكذا رواية أبي ذر والأصيلي، وفي رواية الأكثرين: " فكتب " من الكتابة وهو الأوجه، وفي رواية الزبير بن بكار: " فكتب إلى أبي طالب يخبره بذلك ". قوله: " يا آل قريش " الهمزة للاستغاثة. قوله: " يا آل بني هاشم "، وفي رواية الكشميهني: " يا بني هاشم ". قوله: " قتلني في عقال " أي: بسبب عقال. قوله: " ومات المستأجر " بفتح الجيم. قوله: " أهل ذاك " بالنصب ويروى ذلك. قوله: " وافى الموسم " أي: أتاه. قوله: " أين أبو طالب " هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: " من أبو طالب ". قوله: " أن فلانا قتله " ويروى: " فتكه " بالفاء والكاف. قوله: " إحدى ثلاث " يحتمل أن تكون هذه الثلاث كانت معروفة بينهم، ويحتمل أن يكون شيء اخترعه أبو طالب، وقال ابن التين: لم ينقل أنهم تشاوروا في ذلك ولا تدافعوا، فدل على أنهم كانوا يعرفون القسامة قبل ذلك، قيل: فيه نظر لقول ابن عباس راوي الحديث: " إنها أول قسامة " ورد بأنه يمكن أن يكون مراد ابن عباس الوقوع وإن كانوا يعرفون الحكم قبل ذلك، وقد ذكرنا الاختلاف فيه عن قريب. قوله: " إن شئت أن تؤدي " ويروى: " تؤدي " بدون لفظة أن. قوله: " فإنك " الفاء فيه للسببية. قوله: " حلف " فعل ماض وخمسون بالرفع فاعله. قوله: " فأتته امرأة من بني هاشم " هي زينب بنت [ ص: 298 ] علقمة أخت المقتول، وكانت تحت رجل منهم وهو عبد العزيز بن أبي قيس العامري، واسم ولدها منه حويطب مصغرا بمهملتين، وقد عاش حويطب بعد هذا دهرا طويلا وله صحبة، وسيأتي حديثه في كتاب الأحكام. قوله: " أن تجيز ابني هذا " بالجيم والزاي أي: تهبه ما يلزمه من اليمين، وقال صاحب (جامع الأصول): إن كان تجير بالراء فمعناه تؤمنه من اليمين، وإن كان بالزاي فمعناه تأذن له في ترك اليمين. قوله: " ولا تصبر يمينه " بالصاد المهملة وبالباء الموحدة المضمومة، قال الجوهري: صبر الرجل إذا حلف صبرا إذا حبس على اليمين حتى يحلف، والمصبورة هي اليمين، وقال الخطابي: معنى الصبر في الأيمان الإلزام حتى لا يسعه أن لا يحلف، وحاصل معنى صبر اليمين هو أن يلزم المأمور بها ويكره عليها. قوله: " حيث تصبر الأيمان " أي: بين الركن والمقام، وقال صاحب (التوضيح): ومن هذا استدل الشافعي على أنه لا يحلف بين الركن والمقام على أقل من عشرين دينارا وهو ما يجب فيه الزكاة، قيل: لا يدرى كيف يستقيم هذا الاستدلال ولم يذكر أحد من أصحاب الشافعي أن الشافعي استدل لذلك بهذه القضية. قوله: " فحلفوا " زاد ابن الكلبي: حلفوا عند الركن أن خداشا بريء من دم المقتول. قوله: " قال ابن عباس: والذي نفسي بيده " قال ابن التين: كان الذي أخبر ابن عباس بذلك جماعة اطمأنت نفسه إلى صدقهم حتى وسعه أن يحلف على ذلك، قيل: يعني أنه كان حين القسامة لم يولد، ويحتمل أن يكون الذي أخبره بذلك هو النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا وجه دخول هذا الحديث في (الصحيح). قوله: " فما حال الحول " أي: من يوم حلفوا. قوله: " ومن ثمانية وأربعين " وفي رواية أبي ذر: " ومن الثمانية "، وعند الأصيلي: " والأربعين ". قوله: " عين تطرف " بكسر الراء أي: تتحرك، وزاد ابن الكلبي: وصارت رباع الجميع لحويطب؛ فلذلك كان أكثر من بمكة رباعا، وكان في الجاهلية أن من ظلم أحدا يعجل له عقوبته، وروى الفاكهي من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه قال: حلف ناس عند البيت قسامة على باطل ثم خرجوا فنزلوا تحت صخرة فانهدمت عليهم، قال عمر رضي الله تعالى عنه: كان يفعل بهم ذلك في الجاهلية ليتناهوا عن الظلم؛ لأنهم كانوا لا يعرفون البعث، فلما جاء الإسلام أخر القصاص إلى يوم القيامة.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية