الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3600 299 - حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو طلحة بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- مجوب به عليه بحجفة له، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديدا، لقد يكسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر ومعه الجعبة من النبل فيقول: انشرها لأبي طلحة، فأشرف النبي -صلى الله عليه وسلم- ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان، أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث في مواضع على ما لا يخفى، وأبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري مولاهم المقعد البصري، وعبد الوارث بن سعيد، وعبد العزيز بن صهيب، ورجاله كلهم بصريون.

                                                                                                                                                                                  ومضى بعض هذا الحديث في الجهاد في باب غزو النساء مع الرجال، فإنه أخرجه هناك بهذا الإسناد بعينه

                                                                                                                                                                                  قوله: " وأبو طلحة " الواو فيه للحال وهو مبتدأ، وقوله: " مجوب " خبره، وهو بضم الميم وفتح الجيم وكسر الواو المشددة وفي آخره باء موحدة، ومعناه مترس عليه يقيه بالجوبة وهو الترس. قوله: " عليه " أي: على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -. قوله: " بحجفة " متعلق بقوله مجوب، والحجفة بفتح الحاء المهملة وفتح الجيم والفاء أيضا وهي الترس إذا كان من جلد ليس فيها خشب. قوله: " راميا " أي: راميا بالقوس. قوله: " شديدا " يعني موصوفا بشدة الرمي، وهكذا في رواية الأكثرين شديدا بالنصب، وبعده: لقد [ ص: 274 ] يكسر بلام التأكيد، وكلمة " قد " للتحقيق، و " يكسر " يفعل بالتشديد ليدل على كثرة الكسر، وهذه الصيغة تأتي متعدية ولازمة، ويروى شديد القد بإضافة لفظ الشديد إلى لفظ القد بكسر القاف وتشديد الدال وهو السير من جلد غير مدبوغ، ومعناه شديد وتر القوس في النزع والمد، وبهذا جزم الخطابي وتبعه ابن التين، وعلى هذه الرواية يقرأ: قوسان بالرفع على أنه فاعل يكسر على أن يكون يكسر لازما. قوله: " أو ثلاثا " ويروى أو ثلاث أيضا بالرفع عطفا عليه، وكلمة أو للشك من الراوي، ويروى شديد المد بالميم المفتوحة والدال المشددة. قوله: " من النبل " أي: السهام. قوله: " فيقول " أي: فيقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - انشرها من النشر بالنون المفتوحة وسكون الشين المعجمة من انتشار الماء وتفرقه، ويروى: انثرها من النثر بالنون المفتوحة وسكون الثاء المثلثة، ومعناهما واحد. قوله: " فأشرف " من الإشراف وهو الاطلاع من فوق. قوله: " لا تشرف " مجزوم لأنه نهي؛ أي: لا تطلع. قوله: " يصبك " مجزوم لأنه جواب النهي نحو: لا تدن من الأسد يأكلك، ويروى " تصيبك " على تقدير: السهم يصيبك. قوله: " سهم " بيان للمحذوف، و " من سهام القوم " بيان أن السهم من العدو. قوله: " نحري دون نحرك " أي: صدري عند صدرك، أي: أقف أنا بحيث يكون صدري كالترس لصدرك، هكذا فسره الكرماني (قلت): الأوجه أن يقال: هذا نحري قدام نحرك؛ يعني أقف بين يديك بحيث أن السهم إذا جاء يصيب نحري ولا يصيب نحرك. قوله: " وأم سليم " بضم السين المهملة وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف، وهي زوجة أبي طلحة، وأم أنس بن مالك وخالة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من الرضاع. قوله: " لمشمرتان " تثنية على صيغة الفاعل من شمرت ثيابي إذا رفعتها، واللام فيه للتأكيد. قوله: " خدم " بالنصب، قوله: لأنه مفعول أرى وهو بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة جمع الخدمة وهي الخلخال، والسوق بالضم جمع ساق، وهذا كان قبل نزول آية الحجاب. قوله: " تنقزان " بالنون الساكنة والقاف المضمومة وبالزاي من النقز وهو النقل، وقال الداودي: أي: تنقلان، وقال الخطابي: إنما هو تزفران أي: تحملان، قال: وأما النقز فهو الوثب البعيد، وقال ابن قرقول: تزفران بالزاي والفاء والراء يقال: ازفر لنا القرب أي احملها ملأى على ظهرك، وفي (المطالع): تنقزان القرب على ظهورهما، هكذا جاء في حديث أبي معمر، قال البخاري: وقال غيره: تنقلان، وكذا رواه مسلم قيل: معنى تنقزان على الرواية الأولى تثبان، والنقز الوثب والقفز كأنه من سرعة السير وضبط الشيوخ القرب بنصب الباء ووجهه بعيد على الضبط المتقدم، وأما مع تنقلان فصحيح، وكان بعض شيوخنا يقرأ هذا الحرف بضم باء القرب ويجعله مبتدأ كأنه قال: والقرب على متونهما، والذي عندي في الرواية اختلال، ولهذا جاء البخاري بعدها بالرواية البينة الصحيحة، وقد تخرج رواية الشيوخ بالنصب على عدم الخافض كأنه قال: تنقزان القرب أي: تحركان القرب بشدة عدوهما بها، فكانت القرب ترتفع وتنخفض مثل الوثب على ظهورهما. قوله: " على متونهما " أي: على ظهورهما، وهو بضم الميم جمع متن وهو الظهر. قوله: " تفرغانه " بضم التاء يقال: أفرغت الإناء إفراغا وفرغته بالتشديد تفريغا إذا قلبت ما فيه.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية